كما هو معروف لدى كل شخص
,ويعتبر ذلك من البديهيات المعرفية ,بأن العلم والتعليم والتعلم ,يعتبر اساس كل
تقدم في كل المجتمعات ,وقد بدأ التعلم ونشر العلم مع إكتشاف حروف الكتابة ,فقد كان
الإنسان يكتب ما يراه ,
لكن وفق اسلوب التصوير أي رسم صورة الشخص أو الشئ الذي
يراه,لكن هذا الأمر لم يطور العلم والمعرفة ,بل أصبح ذلك بمثابة شواهد وشهود على
ما حدث في الماضي ,تطور الأمر وظهرت حروف رمزية وكصور مثل الحروف الهيروغليفية عند
الفراعنة المصريين وكذلك ظهرت مثلها عند بعض المجتمعات الأخرى في آسيا لكنها لم
تؤد المطلوب ,حتى ظهرت الحروف المسمارية عند السومريين في منطقة مابين النهرين
,وصارت أساس التقدم العلمي ,لأنه بواسطتها صار الإنسان يكتب ما يريد على الأحجار وجلود الحيوانات والورق فيما بعد ,ومن تلك
الحروف تم إشتقاق الحروف التي نراها الآن عند الشعوب الموجودة .
بعد ذلك ومع تطور
المجتمعات تم إنشاء المدارس البدائية ,وتم تدريب الطلاب فيها لتولي شؤون الدول
التي التي عرفت في ذلك الوقت كدول المدن ,كما تم
إرسال الطلاب على شكل بعثات تعليمية غلى أماكن متفرقة ,وصار لهؤلاء القيمة
لأنهم صاروا السند الذي يعتمد عليه في تسيير أمو تلك الدول ,وإستمر الأمر هكذا حتى
الوقت الحاضر ,فنرى الآن كيف أن صاحب الدرجات العلمية يتمتع بالإحترام وله مكانته
الخاصة مهما كان الوضع .
الإيزيديون كجزء من
المجتمع الإنساني ,استفادوا من ذلك الأمر واستخلصوا من تلك الحروف’ حروفا خاصة لهم
وبهم وكتبوا بها الكثير من المكاتيبوولاتزال تلك الحروف موجودةولكن للأسف
مهملة حتى من قبل الإيزيديين أنفسهم ,ولا
تستخدم ,ولكن على أمل أن يتم إحياؤها في المستقبل .
إذا أتينا إلى المجتمع
الإيزيدي ونظرنا إليه نظرة ثاقبةماذا سنلاحظ ؟هل سنراه مجتمعا متقدما علميا؟أم أنه
غير ذلك وما أسباب هذا وذاك ؟
كم طبيب يوجد,كم مهندس
يوجد,كم بروفسور يوجد ,كم وكم وكم ؟
*أولا لنرى مستوى التعليم
عند الإيزيديين في مناطق تواجدهم بالوطن وخارج الوطن:
إذا تمعنّا في الأمر سنرى
بأن مستوى التعليم يبدو هكذا:
1-يأتي الإيزيديون في دول
الإتحاد السوفييتي السابق مثل روسيا وأوكرانيا وأرمينيا وجورجيا بالدرجة
الأولى من حيث مستوى التعليم,والسبب في ذلك يعود إلى أن التمييز بين الناس هناك قد
زال مع قدوم الثورة البلشفية 1917م,وبعد ذلك زالت كل الفروقات بين الناس وأتيح
التعليم لكل الناس دون النظر إلى أصله وفصله ,لونه وشكله ودينه ,بل أصبح الأمر
يتوقف على الشخص نفسه ومدى إستعداده للتعلم ,ونتيجة لذلك إرتفع مستوى التعليم في
الوسط الإيزيدي وظهر بينهم عدد كبير من المثقفين والذين حصلوا على شهادات عليا
ومرموقة ,حتى أنه ظهر عدد غير قليل ممن يحملون شهادة الدكتوراة ,وكذلك من حصلوا
على لقب البروفسور وفي مختلف الإختصاصات .
2-بعد ذلك يأتي
الإيزيديون في العراق ,وهنا نميز بيبن منطقتين يسكن الإيزيديون فيهما هما منطقة
1-لات شيخ 2-منطقة شنكال
فالمنطقة الأولى ولات شيخ تتميز بأن مستوى التعليم فيها أعلى بكثير من
المنطقة الثانية شنكال ,وطبعا لذلك أسبابها
3-ايزيدوا سوريا:وهم
يأتون بالدرجة الثالثة ولكن نسبة التعليم عندهم أعلى من نسبة التعليم عند
الإيزيديين في شنكال بالعراق , كما أننا نجد هنا 3 مناطق هي:منطقة الفقامشلي
ومنطقة الحسكة وعامودا ورأس العين ومنطقة عفرين وحلب ,فعلى الرغم بأن عدد
الإيزيديين بمنطقة الحسكة وعامودا ورأس العين أكبر من منطقة القامشلي وكانوا أكثر
غنى منهم ,لكن نسبة التعليم عندهم كانت أقل مما كانت عند الإيزيديين في منطقة
القامشلي و(الجراح)ووكذلك فإنهم مثل منطقة عفرين وحلب كانوا أقرب من مراكز التعليم
العليا ,وإذا قارنّا الوضع بشكل عام نجد بأنه كان من الواجب أن تكون منطقة عفرين
-حلب أكثر المناطق في سوريا بين الإيزيديين تقدما علميا ,فهي قريبة جدا من مدينة حلب والتي فيها جامعات
ومعاهد وبإمكان الفرد الذهاب يوميا إلى
الدوام والعودة إلى البيت دون أن يكلف ذلك ربع ما يكلف لو أراد شخص من منطقة
الجراح الدراسة في حلب أو دمشق وحيث تبعد حلب عن منطقة الجراح حوالي 450 كم ,وتبعد دمشق عن منطقة الجراح حوالي 1000 كم
,لكن للأسف مستوى التعليم في مناطق حلب عفرين ليس بالمستوى المرجو منه
4- آخر منطقة وأدناها في
مستوى التعليم هي منطقة تركيا :فعلى الرغم من أن الإيزيديين في تركيا يعيشون في
مناطق الطور (الجبل)والجول (السهل ) وويران شار
إل أن وضعهم تلتعليمي ومستواهم واحد ,وحسب المعلومات فإنه حتى سنة 1970 كان
بين هؤلاء شخصان فقط بدرجة معلم وليس مدرس ,لم يتما الرحلة الجامعية .
لماذا هذا الوضع ؟كما
ذكرت سابقا , في الإتحاد السوفييتي السابق لعب النظام الجديد بعد انهيار
الإمبراطورية ومجئ البلشفية إلى هناك ,دورا كبير في نمو المستوى التعليمي ,وفي سوريا والعراق ساهم الوجود الإستعماري
الفرنسي والإنكليزي دورا هاما أيضا بهدف إيقاظ الشعور القومي وشعور القوميات
الأخرى بالوضع ,وكذلك نمو الإدراك العلمي ومن ثم الإستفادة من تلك الكوادر الجديدة
مستقبلا ,أما في تركيا التي لم تعرف الإستعمار غير الإستعمار التركي ,فإن هؤلاء
الأتراك قصدوا إبقاء مناطق الكورد ومنهم الإيزيديين , بحالة تخلف علمي لذلك قصدت
إبقاء مناطق الإيزيديين من دون مدارس ومن
دون تعليم لإبقائها في حالة تخلف ,وفي سوريا قامت الدولة بعد خروج فرنسا بإنشاء
بعض المدارس بهدف القضاء على اللغة الكوردية وفرض اللغة العربية والثقافة العربية
لأجل صهر غير العرب في البوتقة العربية ,لذلك تم منع تعليم وتعلّم اللغة
الكوردية ,حتى في الحالات العادية ,وكذلك
منع إنشاء المدارس الخاصة باللغة الكوردية كما كان الوضع عند الأخوة السريان حيث
كانوا يتعلمون في مدارسهم الخاصة لغتهم السريانية وبإذن من الدولة ,لذلك كان مستوى
التعليم عندهم أكثر من الإيزيديين والكورد أيضا ,في مناطق العراق ايضا ولعب
الإستعمار الإنكليزي دورا في نشر التعليم بين الناس,لكن ظروفا سأذكرها منعت
الإيزيديين من الوصول إلى مستوى جيد من التعليم .
أريد أن أشير هنا إلى أن
مستوى التعليم في الوسط الذكري أكبر بكثير في الوسط الإنثوي,فعدد الذكور أضعاف
أضعاف عدد الإناث لأسباب إجتماعية ودينية
*لماذا هذا المستوى العلمي المتدني في الوسط الإيزيدي ؟
إن هذا يعود إلى عدد من
الأسباب أذكر بعضها :
1-الفقر:نتيجة لوضع
الإيزيديين فقد كانوا هاربين من ظلم الأعداء ,وكانوا يسكنون الكهوف والجبال ’لذلك
كان وضعهم الإقتصادي ضعيفا وكان إقتصادهم يعتمد بشكل عام على تربية الحيوانات
,وفيما بعد على الزراعة الضيقة وبموجب مساحات ضيقة وقليلة ولذلك فقد كان
المردود ضعيفا ويكاد لايسد الإنتاج حاجاتهم الذاتية ,لذلك فإن ما كانوا يحصلون عليه
لايساعدهم على أن يرسلوا أطفالهم للتعلم في المدارس والجامعات ،فبقي التعليم ضعيفا
2-التجريد من الجنسية:
هذا الوضع كان موجودا بشكل رئيسي في سوريا ,حيث أنه تم تجريد عدد كبير من
الإيزيديين هناك من الجنسية السورية ظلما ,فكان الأب مواطنا والإبن مجردا من الجنسية,او
بالعكس كما كان هناك أخان ,واحد مواطن وواحد مجرد من الجنسية وذلك منذ إحصاء سنة
1962م وفي 5-10
هذا الأمر والوضع سد
الطريق أمام الكثيرين للعمل وحتى للسفر لأجل العمل ,فقد منع هؤلاء من السفر لمنع
حصولهم على جوازات السفر ,وحتى أنه لو أراد أحدهم السفر ضمن سوريا فكان شبه ممنوع
,وفي المدن وحتى يتمكنوا النوم في الفنادق ,كان ومازال يجب عليهم الحصول على إذن
من المخابرات لذلك ,فكما نرى كان هذا أحد الأسباب
التي منعت عنهم المال للمساعدة في تعليم أطفالهم .
3-سياسة الدولة العنصرية
المتعمدة :كانت وما زالت الدولة في معظم المناطق التي يسكنها الإيزيديون ,تتصرف
معهم كشعب غريب رغم أنهم أصحاب المكان الأصليون ,فتفرض عليهم التعلم بلغة مفروضة
عليهم دون إرادتهم ,وفي التوظيف تمنعهم في معظم الأحيان من العمل في وظائف الدولة
بحجج مختلقة ,لذلك فأن ذلك قد زرع في نفس الإنسان اليأس ,فمهما درس لن ينتفع ’لذلك
قل الإقبال على التعلم.
4-الوضع الإجتماعي العام
والتخلف:هذا الوضع كان وما يزال مفروض على المجتمع ككل من إيزيديين وغير وإيزيديين
,فالتظيم الطبقي والعشائري والوضع المتخلف للآباء والأمهات,فرض وضعا على المجتمع
ككل فكانت الرغبة بإرسال الأطفال للتعلم ضعيفا ,وإذا أجرينا إحصاء سنجد نسبة كبيرة
جدا من هؤلاء أميين لايعرفون القراءة والكتابة ولايعرفون قيمة التعليم حتى ,وحتى
أنه في أحسن الأوضاع يكون بعضهم قد تعلم في مدارس دينية بالنسبة للغير من غير
الإيزيديين ,أما بالنسيبة للإيزيديين فحتى تلك المدارس الدينية كانت غير موجودة
,بل أن التعليم كان شفهيا فقط .
5-الدافع الديني والخوف
:حسب رأيي الخاص بل ورأيي الغير من الإيزيديين كان هذا العامل أبرز الأسباب التي وقفت بوجه تعلم الإيزيديين
,فكان الإيزيديون يخشون على دينهم من الضياع ,إذا أرسلوا أولادهم للمدارس ,لأن
إرسال الأطفال للمدارس كان يعني تعلم
تعاليم دين آخر أو أنه كان يتم فرض تعلم تعاليم أديان أخرى غير تعاليم الدين
الإيزيدي وخاصة تعلم تعاليم الدين الإسلامي,الذي كان وما يزال يفرض عنوة ورغما عن
أنف الطلاب الإيزيديين ,وكثيرا ما كانت المشاكل تنشب بين الطلاب الإيزيديين
والمعلمين والمدرسين وحتى بينهم وبين الطلاب من غير الإيزيديين,وكان الطالب
الإيزيدي الذي يريد أن يتعلم يخشى وهو في طريقه إلى مكان التعلم أينما كان ’يخاف
من أن يرى شخصا يعرف بأنه إيزيدي فيشتم دينه وتنشب مشاكل بينه وبينهم ,من طرف آخر
لعب بعض الناس من الإيزيديين دورا سلبيا في ذلك فكانوا يحرضون الإيزيديين بعدم
إرسالهم للمدارس للتعلم في الوقت الذي كانوا يرسلون ليس أبناءهم للتعلم بل حتى
بناتهم ’وذلك لأجل إبقاء البقية جاهلين,لهدف ما
6- بعد مناطق التعليم
والتكلفة:هنا نجد بأن مناطق التعلم كانت غير متوفرة ’أو بعيدة فكان يجب على الطالب
الذهاب من قرية إلى أخرى مشيا على الأقدام ,في الشتاء والصيف وعلى مسافات بعيدة
بالبداية(الإبتدائي)وفي الدراسات العليا كان يجب على الطالب الذهاب والسفر مئآت
الكيومترات ,مثل السفر إلى دمشق بسوريا وبغداد أو الموصل بالعراق واستانبول أو
أنقرة بتركيا ووكل ذلك كان يكلف آلآف الدولارتوولم يكن بإمكان أي إيزيدي القيام
بأداء تلك المصاريف وتحملها ,وكانت فقط نسبة قليلة جدا تستطيع تحمل مسؤولية ذلك .
الآن ورغم الظروف
المساعدة بالوطن والمهجر ,كيف هو مستوى التعليم ؟
إن وضع التعليم في الوسط
الإيزيدي غير مرض,لا في الوطن ولا في المهجر ,ففي الوطن صار بإمكان الكثيرين
الدراسة وأن الأسباب التي كانت تقف مانعا بوجه تعلمهم قد زالت ,وفي المهجر فإن كل
الظروف مهيئة وبإمكان كل شخص التعلم كما يريد لكن للأسف مازالت الطموحات غير محققة
,وحتى نستطيع الحكم على الأمر ,يجب أن نعرف عدد الدارسين وعدد المتخرجين من
الجامعات (كم طبيب كم مهندس كم مدرس كم محام موجود),ومن ثم دورهم من خلال ذلك في
المجتمعات التي يعيشون فيها .