كوردي | Kurdî | عربــي |                           الرئيسية | عالم الأخبـار | هيئـة التحريـر | مواقع | الارشيف| ارسال مقال | الأتصال بنا|                                     
K TV
  شؤون كوردستانيـة


وزير الخارجية الأمريكي: نحن سعداء بمشاركة ممثل عن البارزاني في المؤتمر

رئيس إقليم كوردستان يستضيف سفراء وقناصل وممثلي الدول الأجنبية

أمير ايزيدي : PKK بصدد تنفيذ مشروع خطير بدعم من المالكي حذر من مخاطر وجود مسلحي الحزب في شنكال

ذكرى احياء شهداء حلبجة /Xelil Sincari

عشرات الايزيديين يتركون صفوف مسلحي الـpkk في سنجار ويلتحقون بقوات البيشمركة

ذكرى قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيمياوي /فاضل ميراني

الحزب الديمقراطي الكوردستاني: الـ(PKK) ينفذ أجندة مخابرات اقليمية / زياد الحيدري

بە لە دایک بوونت هیواو ئومێدی کورد لە دایک بوو /ئاسو بالیسانی

قائد في البيشمركة: لا شرعية لوجود حزب العمال في سنجار

رئاسة إقليم كوردستان: البارزاني وجه بضبط الأوضاع في سنجار ولا يمكن لأي طرف إعاقة تحركات البيشمركة / شونم عبدالله خوشناو

غفور مخموري يوقع كتابه ( الحيران ) لمثقفي غرب كوردستان ميديا _ اربيل: إن الفولكلور يشكل الحجر الأساس لآداب كل أُمة

امير الإيزيديين في إقليم كوردستان والعالم: أطالب جميع الاطراف بوقف الإشتباكات رووداو - اربيل

روسيا وإقليم كوردستان يعززان علاقاتهما

بينالي يلدرم: العالم يعترف بعلم إقليم كوردستان

الرئيس بارزاني: لانريد تدخل اي دولة في شؤننا
  شؤون عراقية


ائتلاف الحكيم:نرفض الابتعاد عن ايران

ترامب: إيران تستحوذ على العراق بعد إهدار أمريكا 3 تريليون دولار / زياد الحيدري

إكسون موبيل في العراق.. كيف تتصرف شركة وزير خارجية أمريكا بعد حظر ترامب؟

حملة لازالة شعارات داعش في الساحل الايسر.

عاجل .. عزل الجانب الايسر عن الأيمن بالموصل بشكل نهائي

فيان دخيل تحمّل رئيس الوزراء ومجلس النواب ورئيس الجمهورية مسؤولية ذبح الاقليات في العراق

عاجل..البرلمان يصوت على قانون الحشد الشعبي

العبادي : الاقليم مستقل عن العراق منذُ عام 1991 ولا مانع ل بغداد من استقلال اقليم كوردستان

قوات الجيش وكتائب “بابليون” يحررون “أكبر” دير للمسيحيين في سهل نينوى من قبضة داعش

العثور على مقبرة جماعية جديدة قرب الموصل

الحكومة العراقية: سنتعامل فقط مع حكومة إقليم كوردستان

عاجل وخطير جدا : مدير الاستخبارات الأميركية سوف يتم تقسيم سوريا والعراق .. اليكم التفاصيل

الجاف تعلن رفض زيادة نسبة استقطاع الرواتب في الموازنة وتكشف ابرز الملاحظات بشأنها

طيار كوردي يحارب داعش ضمن القوات العراقية بطائرة F16

اجتماع بين حكومتى اقليم كوردستان (محافظةدهوك) وحكومة العراق المركز(محافظة نينوى)/ ‏‎Mouhiddinee Maarouf Mouhiddine‎‏.
  شؤون اللاجئين


اعتقال خمسة لاجئين بتهمة إضرام النار في مركز إيوائهم في مدينة بليفيلد

خبر سيء من المانيا للمهاجرين العراقيين

ترامب والهجرة واللجوء(1) مجدى خليل

النائبة فيان دخيل في مؤتمر حول النازحين واللاجئين المنعقد في دهوك يومي ١٦-١٧ نوڤمبر ٢٠١٦

وزير الداخلية الألماني: لا مكان للمتطرفين الإسلاميين في مجتمعنا

هام جدا جدا : سار جدا و من اهم واسعد الاخبار التي ينتظرها ألاف من طالبي اللجوء في ألمانيا..

ألمانيا تتجه لترحيل من ترفض طلبات لجوئهم إليها

دولة البرتعال تستعد لاستقبال اللاجئين الايزيديين في اليونان

ألمانيا تُنهي عصر "اللاجئ الذهبي".. وهذا أكثر ما يخيف في قانونها الجديد هافينغتون بوست عربي | سليمان عبد الله- برلين

تعرف على إحصاءات مصلحة الهجرة حول اللجوء و فترات الإنتظار و عدد الحاصلين على الإقامة الدائمة و الجنسية لعام 2016
  التهاني والتبريكات


احمد كوران -------------- اعياد نوروز وراس السنة الكوردية

خطوة بالاتجاه الصحيح ~~~~سالم رشو

دكتوراه فخرية لعدد من الشخصيات المجتمعية من المركز الثقافي الالماني الدولي

مراسيم عزاء على ارواح الشهداء الثلاثة 1. الشهيد البطل هاوكار 2. الشهيد البطل ساكو 3. الشهيد البطل دلشير /بختيار ابراهيم

كلمة شكر وتقدير من عائلة ال قاسو بمناسبة تخرج ابنهم الدكتور برفان وحصوله على شهادة الدكتوراه في قسطرة القلب

برفان فياد شمو يحصل على شهادة الدكتوراه في قسطرة القلب

مسرور بارزاني: اثبتت الظروف التي مررنا بها، مدى صلابة اسس التعايش في كوردستان

الرئيس بارزاني: ستبقى كوردستان دوماً ملاذاً وسنداً للأخوات والإخوة المسيحيين وقيم التعايش
  التعازي والوفيات


في وداع الأستاذ خلات الياس رشيد .Kifah Kunji

الاعلامية شيفا كردي تلتحق بركب شهداء الحرب ضد الارهاب

ممثل الرئيس بارزاني يشارك في مراسيم عزاء عقيلة أمير الايزيدية .

شكر وتقدير شكر وعرفان لكل من قدم لنا واجب العزاء بوفاة عمي العزيز(حجي سمو)

رحيل الاميرة داي (تركو فقير جندي) عقيلة الأمير تحسين سعيد علي
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏جالس‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏
  البالتالك


محاضرة هذا الاسبوع في غرفة كانيا سبي حول (بيت الامارة والمجتمع الايزيدي)

محاضره للسيد زهير عبو في غرفه كوجكا كوردسان! زيدو عتو

محاضرة هذا الاسبوع في غرفة كانيا سبي حول (وضع الإيزيدين في شنكال والمنطقة )

إعلان غرفة كانيا سبي تحاور مسؤول الفرع 17 للحزب الديمقراطي الكوردستاني _شنكال _ا


ئاگەھداری کۆچکا رەڤەندا کورد ل ئەورۆپا

محاضرة هذا الاسبوع في غرفة كانيا سبي حول (حاجة المجتمع الإيزيدي إلى تنظيم سياسي)


به‌رپرسێ لقێ هه‌ژده‌ سميناره‌ک د ژورا ره‌ڤه‌ندا کورد ئه‌وروپا ل سه‌ر پالتاکي پێشکێش کر
  اعلانـات


اربيل .. تويوتا العراق تكشف عن اصدارها الأخير من لاند كروزر دلير ابراهيم - اربيل

بمشاركة العراق واقليم كوردستان شركة إل جي إلكترونيكس في مهرجان

خلال مناسبة بهيجة في عاصمة اقليم كوردستان العراق هواوي العالمية تُطلق هاتف "مايت إس" بتقنية لمس ثورية دلير ابراهيم - اربيل

تخفيضات من مكتب آراينة للسياحة والسفر من برلين الى اربيل ومنه الى برلين على خطوط الجوية العراقية

مكيفات للجو مخصصة للاجواء الحالية مكيفات إل جي إلكترونيكس تنفرد بالقدرة على التبريد حتى درجات حرارة 60 مئوية دلير ابراهيم - اربيل

محاضره بعنوان حول العلاقات بين الجامعتين جامعة دهوك وجامعة اولدنبورك

لمنح زبائنها القدرة على توفير الوقت والطاقة إل جي إلكترونيكس تطرح غسالات Turbo ذات السعة الكبيرة والأداء العالي في ألاسواق دلير ابراهيم- اربيل
  العلوم والصحـة


عملية جراحية ناجحة لوكيل الأمير حازم تحسين سعيد ....حسن قوال رشيد

منظمة سمارت ويب وخدمات متعددة في مجال تكنولوجيا المعلومات دلير ابراهيم - اربيل

تدخين مليون سيجارة لفافة تبغ.الباحث- داود مراد الختاري

جامعة سوران ومستشفى باكي .. بحث سبل التنسيق والتعاون المشترك دلير ابراهيم - اربيل

إنه شيء جنوني حقاً : هذه الثمار تقتل السرطان في خلال 5 دقائق !

بالصور طريقة استخدام قشر الموز لتبييض الاسنان

شرب الماء الساخن على المعدة الفارغة موضوع هامّ، ليتني أستطيع إيصاله لكلّ إنسان

الكشف عن ديسكڤري سبورت الجديدة في حدث حصري من قبل سردار للوكالات التجارية في السليمانية دلير ابراهيم- السليمانية

إل جي إلكترونيكس تحدث نقلة نوعية في عالم أجهزة الطبخ في اقليم كوردستان والعراق المنزلية بإطلاق طباخ جديد دلير ابراهيم - اربيل

ورق الزيتون بركة وشفاء وأسرار مذهلة

مشاركة أطباء من اقليم كوردستان والعراق في مؤتمر علمي لبحث علاج الربو دلير ابراهيم - اربيل

فايروس الكبد سي

التجربة احسن برهان ((أغسـل كليتيـك بيدك )) يا ريت الكل يقراها

غداً ''ساعة الأرض'' و الظلام سيغمر دول العالم!!

الاطباء ينصحوكم بغسل الملابس الجديدة!! ........
يوجد حاليا, 136 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

هنري كيسنجر يتحدث عن النظام العالمي الجديد وحالة الفوضى المقبلة التي ستسوده


صفحة للطباعة صفحة للطباعة


هنري كيسنجر يتحدث عن النظام العالمي الجديد وحالة الفوضى المقبلة التي ستسودهRojava News: أجرى الصحفي الأمريكي، "جيفري غولدبيرغ" من صحيفة الأتلانتيك، حوارا مطولا مع وزير الخارجية السابق، هنري كيسنجر، تناول فيه العديد من المسائل الحساسة والشائكة في العالم، المترتبة عن الفوز غير المتوقع للمرشح عن الحزب الجمهوري، دونالد ترامب.


 

حول دونالد ترامب

جيفري غولدبيرغ: ما هو رأيك الخاص في السياسية الخارجية التي وعد دونالد ترامب بتطبيقها؟

هنري كيسنجر: قدّم دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية العديد من الضمانات العظيمة للشعب الأمريكي، لكن ستواجه بعض المقترحات التي قدمها العديد من العقبات التنفيذية، لأن كلا من الكونغرس والمكسيك من المرجح، أنهما لن يقوما بتمويل مشروع الجدار الفاصل الذي ينوي بناءه.

 

س:ما هو رأيك أيضا في السياسة الخارجية لهيلاري كلينتون؟

كيسنجر: أنا وهيلاري، كان لدينا صديق مشترك، يدعى" أوسكار دي لا رينتا"، وكنا نجتمع في بعض الأحيان في منزله ونظرا لأنني شغلت منصبا وزاريا كانت تستشيرني، أحيانا، في بعض المسائل. لقد استمتعت كثيرا بمحادثاتي معها. وأنا أحترم كذلك ذكائها وقدراتها التحليلية القوية.

 

س: بالنسبة لك، من هو أفضل سياسي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية؟

كيسنجر: كان كلا من الرئيسين الأمريكيين "رونالد ويلسون ريغان" و"بيل كلينتون" يمتلكان قدرات سياسية استثنائية. كما أن السياسي نيلسون روكفلر، الذي شغل نائب رئيس الولايات المتحدة، في عهد الرئيس جيرالد فورد، كان جيدا على مستوى المحلي، ولكنه لم يستطع اكتساب شعبية وطنية.

 

 

 

س: هل سيتسبب وصول ترامب في تسريع تراجع مستوى الولايات المتحدة؟ هل كان بإمكان هيلاري كلينتون تغيير ذلك، لأنها كانت تؤمن بفوائد نظام التحالف وبالاستخدام الإيجابي للقوة الأمريكية؟

كيسنجر: من المرجح، أن يؤدي فوز ترامب إلى حدوث صدمة، ستساهم في خلق فرصة لحدوث تراجع، واضطراب خطيريْن. كما أن عدم تيقّن كلينتون من نجاح ساندرز، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي، من شأنه أن يسمح لها بتنفيذ ما تأمل بتحقيقه.

 

س: إذا استطاع ترامب جذب انتباه المحللين السياسيين الأمريكيين على حين غرة، فهل سيستطيع كسب تأييد المحللين الصينيين؟

عندما كنت متواجدا في الصين في أبريل/ نيسان الماضي، تساءل العديد من المحللين الصينيين عمّا يحدث في الواقع على الساحة الأمريكية، وعمّا يحاول دونالد ترامب القيام به، وكيف سيكون ردّهم على تعليقاته، حيث لاحظت أنهم مهتمين بما يقوله ترامب حول المفاوضات الأمريكية الصينية، ويتوقعون أن يكون مصير هذه المفاوضات صادما مثل سلوكه المثير للاستهجان.

ولكن الأمر المثير للاستغراب، يتمثل في أن ترامب في بعض الأحيان، يشير إلى أنه سيقوم بإتاحة فرصة لمناقشة هذه المسألة بصفة شاملة. ولذلك هم على ما يبدو متحمسين بعض الشيء لهذه المفاوضات، على الرغم من أوجه التناقض الشديدة الذي يتمتع بها هذا المرشح.

 

س: هل تعتقد أن ترامب قد توصل إلى فهم العولمة عبر هذه العلاقة التي يمتلكها مع الصين؟

كيسنجر: لم يطرح ترامب وجهة نظر عالمية خلال حملته الانتخابية، ولكنه يتحدث، دائما وبصفة عامة، على أنه بإمكانه حل المشاكل الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة عن طريق إبرامه لصفقة شاملة، من شأنها أن تعالج العديد من المشاكل الأخرى. ولكن من غير المحتمل أن يتمكن، في النهاية، من معالجة مسألة النظام العالمي.

 

س: لا يبدو أن ترامب يمتلك نظرية عملية ولا إستراتيجية واضحة.

كيسنجر: تعمل السياسة الخارجية بنسق متصل مع طبيعة الفكر الأمريكي، ويكاد يكون من المستحيل وضع مخططات واضحة أثناء حملة سياسية، وأقصد بذلك موضوع التوصل إلى تفاهم مع الصينيين.

 

س: الجميع يقول إن الصينيين يريدون فوز ترامب، نظرا لأن كلينتون اتخذت موقفا صارما وحازما فيما يتعلق بقضاياهم.

 

 

 

كيسنجر: أنا لا أعتقد أنهم يفضلون ترامب، لكنهم يتخدون هذا الموقف من باب الاحتياط والحذر، في حال انتُخب هذا الأخير رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.

 

س: لا أعتقد أنهم يظنون أن ترامب سيكون متساهلا معه؟

كيسنجر: لا يعرف الصينيون شخصية ترامب الحقيقية، لكنني أظنهم يحاولون معرفة طبيعة العلاقة التي تربطنا بهم، بغض النظر عمّن سيكون رئيسنا. كما لا يمكن للصين أن تقوم بتضليلنا أو خداعنا أثناء هذا الاتفاق لأن ذلك سيساهم في زعزعة ثقتنا بها، وسينعكس سلبا عليها.

 

س: دعنا نتحدث الآن عن المرشحين الرئاسيين، هل تدعم هيلاري كلينتون أم دونالد ترامب؟ وأرجو أن لا تخجل من التعبير عن موقفك.

كيسنجر: لن تنشر ذلك؟

 

س: بالطبع سأنشره! أنا صحفي، وعلى الرغم من أني سأتعرض إلى العديد من الضغوط، إلا أنني سأنشره.

كيسنجر: أنا لا أؤيد وصول ترامب إلى سدة الحكم، ولن أفعل ذلك.

 

س: إذا من المرجح، أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترامب لم تنل إعجابك؟

كيسنجر: أنا لم أشارك في الحملات الانتخابية الرئاسية في الماضي، ولكنني لا أتفق مع مواقف ترامب في العديد من المواضيع، وأعتقد أن دوري، في الوقت الراهن، يجب أن يكون حياديا مع وجهة نظر الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي، لأن التاريخ الأمريكي يعيش حقبة حرجة، يقوم فيها المرشحون الرئاسيون بتبادل الاتهامات علنا، بدلا من مناقشة نظامنا السياسي بصفة جادة.

 

س: هل يمكن القول، من وجهة نظرك، أن ترامب لا يرقى لمستوى شخص مؤهل لتولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؟ يجب أن تكون واضحا في موقفك، هل لا يصلح ترامب حقا لمثل هذه الوظيفة، كما قال العديد من الجمهوريون والمتخصصين في مجال الأمن الوطني؟

كيسنجر: أنا في عمر يناهز 94 سنة، ولا يمكنني أن ألعب دورا مهما في تغيير العديد من الوقائع أو في تنفيذ سياسة ما، ولكن لا يزال بإمكاني المساعدة عن طريق الفكر في البحث عن إستراتيجية هادفة متوافقة مع دورنا في تشكيل العالم ما بعد الحرب.

 

 

 

قبل دخول هيلاري في هذا السباق الرئاسي الأخير، أعترف أنني أدليت بالعديد من التصريحات المشيدة بفكر وتوجهات هيلاري، التي سُجلت في تاريخ أقوالي، ولكن مواقفي الودية معها كانت تجاهها كشخص وليست كمرشحة لمنصب الرئاسة.

 

س: اسمح لي أن أعيد طرح السؤال، هل تعتقد أن ترامب سيتعلم أبجديات السلطة؟

كيسنجر: كل رئيس أمريكي في فترة ولايته الأولى سيتعلم شيئا جديدا بعد أن يأتي إلى السلطة. لا أحد يمكن أن يكون جاهزا تماما للأزمات التي ستعقب وصوله. لكن إذا انتخب ترامب، فإن إدارة الأمن القومي الأمريكي، هي من ستأمل أن يتعلم ترامب أبجديات سياسة السلطة الناضجة.

س: هل تعلم أن ترامب سيتولى قيادة حزب ديمقراطي ليبرالي؟

كيسنجر: لقد قال أشياء شبيهة بذلك، كما قال العديد من الأشياء المتناقضة، أنا لا أريد الخوض في مثل هذه التناقضات الشخصية، بما أنني لا أعرف ترامب جيدا. كما أعتزم تقديم مساهمتي في تحسين مسار الحوار الوطني ككل. ولا يوجد أي داع بأن تجعلني أخوض في الأبعاد الخاصة لهذه الحملة.

 

عقيدة باراك أوباما

س: كيف يمكنك أن تعرف عقيدة السياسة الخارجية للرئيس أوباما؟

كيسنجر: كتبت في تقرير لك نشرته في صحيفة الأطلسي، أن عقيدة أوباما تتعارض مع القيم الأساسية لعدد من الأماكن في أنحاء العالم، وبالتالي يمكن القول أنه من الصعب إيجاد تعريف واضح لهذا المصطلح، الذي يُعرفه أوباما كالتالي؛ "إن مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في تثبيت دعائم القيم في العالم يتحقق من خلال انسحابها من المناطق التي يمكن أن يجعل تدخلها فيها الأمور أسوأ". لكن يجب أن نحذر من أن تصبح عقيدة أوباما السلبية المتخاذلة صفة أساسية للسياسة الخارجية.

 

س: هل ترى أن عقيدة أوباما تسعى لحماية العالم من الولايات المتحدة الأمريكية؟

كيسنجر: من وجهة نظري، أن أوباما كان ينظر لنفسه ليس كجزء من العملية السياسية، ولكن كشخص فريد من نوعه، جاء بظاهرة فريدة من نوعها مع قدرة فريدة من نوعها. وهو يرى أن مسؤوليته هو منع عناصر حساسة في الإدارة الأمريكية من زعزعة استقرار العالم. وقد كان يخشى دائما من أن تتحول العقبات القصيرة المدى إلى عقبات دائمة، وكرجل كان يرى نفسه يتمتع بحنكة كبيرة، وكان يعتقد أنه يجب عليه المساهمة في تشكيل التاريخ لا السير على خطى سابقيه.

 

س: كرئيس، هل يلام أقل على الخطايا التي أهملها، من تلك التي ارتكبها؟

كيسنجر: هذا صحيح، لأن الرئيس يلام على الكوارث التي ساهم في حدوثها، بغض النظر عمّن تسبب فيها.

 

س: بصفتك رجلا دبلوماسيا، ما مدى فائدة الذهاب إلى دول أخرى والاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة الأمريكية في السابق؟

كيسنجر: لا تحاسبنا الدول الأجنبية إذا قام رئيسنا بإفشاء أسرار بلاده على ترابهم. وعموما، هم يظنون أن هذه الزيارات تهدف إلى تحقيق طموحات أخرى، لا من أجل إعادة صياغة الماضي. في اعتقادي، أنه في حال تم تقييم الجهود الرئاسية على مدار التاريخ، يجب أن يكون ذلك على يد الشعب الأمريكي لا غير.

 

س: ولكن ماذا عن الحجة العملية؟

كيسنجر: ينبغي موازنة تأثير الإجراءات الحكومية وتأثير الأفراد على السياسة. ولكن هل يجب على كل موظف عمومي أمريكي أن يهتم بكيفية مساهمة وجهات نظره في تشكيل ملامح تاريخ الأربعين سنة المقبلة وسياسة الحكومات القادمة؟ وهل تملك كل وزارة خارجية الحق بالاطلاع عمّا حدث في العقود الماضية؟

 

س: أعتقد أن هيلاري كلينتون تشبهك أكثر من باراك أوباما، أقول هذا لأنني أعتقد أن هيلاري كلينتون تقول أن الأشياء التي فعلتها الولايات المتحدة في الحرب الباردة كانت تستحق زوال الاتحاد السوفيتي، وتبرر التجاوزات والتدخلات التي قامت بها، وما تقوله يتلاءم مع فهمك الخاص للعالم. هل ذلك صحيح؟

كيسنجر: هذا ليس لطفا منك أن تقول ذلك عنها، ولكنني لا أظن أنها تقصد ذلك بكلامها، ولا أعتقد أنه، في هذا السياق، يمكن أن تُؤدّي كلمة تجاوزات المعنى الحقيقي.

 

س: أنا لا أهتم إن قيل عني لطيف أم لا.

كيسنجر: ولكنك بذلك سوف تطلق العنان لجناح سندرز المتطرف لشن هجوم عليها.

 

س: أعتقد أن الفرق الأساسي بين أوباما وكلينتون هو أنها يمكن أن تصلح كمحاربة في الحرب الباردة، ولكن أوباما يصلح بأن يكون مقاتلا لفترة ما بعد الحرب الباردة الذي لا يهتم سوى بمشاغل البلدان النامية.

كيسنجر: من الذي لم يكن محاربا في عهد الحرب الباردة؟ كانت توجد استمرارية رائعة، في تلك الفترة، بين إدارات السياسة الخارجية تحث على فكرة احتواء الاتحاد السوفيتي.

 

 

 

في البداية، في سنة 1948، كان هناك نقاش شديد حول المعارضة الشديدة التي شكلها ولاس ولكن بعد أن هزم الاتحاد السوفيتي، لم يعد هناك أي اختلاف حول الأهداف الإستراتيجية للسياسة الخارجية. كما قال العديد إننا قد أخطأنا عندما قمنا بالإطاحة برئيس وزراء إيران السابق، محمد مصدق.

 

س: وأظن أن أوباما كان سيقول ذلك أيضا.

كيسنجر: في المقابلات الشخصية التي قمت بها مع أوباما، أشار العديد من المرات ضمنيا إلى أن هناك الكثير من الأماكن في العالم، حيث يجب أن تتدخل القوات الأمريكية، ولكن لا يمكننا ذلك بسبب السياسات التي اعتمدناها في الماضي. على سبيل المثال، حكم مصدق قد جعلنا مكبلي الأيدي لمدة 70 سنة في إيران. في المقابل، تسامحنا معه كان يعتبر خطأ إلى حد ما. لكن عدم تسامحنا أيضا مع هذا النظام قد أحدث ضجة كبيرة في العالم.

ويحدث نفس الشيء اليوم مع كل من مصر وتركيا اليوم، نحن لا نعرب عن معارضتنا، علنا، للسياسات الداخلية التي يتبعونها، على الرغم من أننا نختلف كثيرا معهم.

 

س: ولكن أوباما في هذا السياق، هل يمكن القول أن أوباما يهدف إلى تحقيق غرض استراتيجي، وراء سكوته عمّا تفعله العديد من الدول الأخرى؟

كيسنجر: هذا سؤال وجيه، البعض في الإدارة الأمريكية كانوا يقولون إن مشاركة أوباما في رفع الحظر المفروض منذ عقود على مبيعات الأسلحة الأمريكية للفيتنام، كانت خطوة رمزية تعبّر عن موقف اتخذته الولايات المتحدة منذ 40 سنة.

ولكن لا أعتقد أن القادة الفيتناميين يرون هذه الخطوة كما يراها هو بمنظوره الخاص. أنا متأكد من أنهم رحبوا فقط برفع هذا الحظر لأنهم يرون أنه يمثل دعما ضمنيا من الولايات المتحدة لمحاربة عدوهم المشترك الصين. ولكن هذه الأخيرة لم تعر اهتماما للخطر المحدق بها.

كما لا أعتقد أن الغالبية العظمى من بقية العالم فهموا رمزية الخطوة التي اتخذها أوباما أو إدارته. كما أشك أن العالم كان يعلم بالحظر المفروض على بيع الأسلحة في الفيتنام.

 

س: كانت تلك الخطوة التي قام بها أوباما مثيرة للاهتمام ومهمة بالنسبة لي، لكني تفاجأت أنك تراها ذات قيمة رمزية فقط.

كيسنجر: ربما كان أوباما يهدف من خلال المشاركة في رفع هذا الحظر إلى التأكيد للصينيين أنه ليس لدينا نية لبيع الأسلحة للفيتنام. لا أعرف هدفه الحقيقي، لكنه سيكون من المثير للاهتمام أن أعرف.

 

س: قال لي أوباما، في إحدى الحوارات، أشياء أثارت قلقي حول روسيا وأوكرانيا اللذين تمثلان مصلحة أساسية. ولكن تعدّ، أوكرانيا، بالنسبة لأمريكا، مصلحة ثانوية، مضيفا أن المصالح الأساسية الرابحة دائما هي الثانوية، ولذلك لا ينبغي أن نعتقد غير ذلك. وهذا ينطبق على أسس نظريته المتعلقة بالقادة؛ التي تقول إن تداخل المصالح هو عامل إيجابي يشجعنا للعمل معا. وإن لم تكن لنا نفس المصالح المشتركة، فلا يمكن أن نعمل معا، مشيرا إلى أن كل اللقاءات الرسمية وغير الرسمية بين رؤساء الدول هي بالأساس حول المصالح. ومن المرجح أن هذا هو السبب وراء أوباما الذي يرى نفسه رجلا سياسيا واقعيا يمتلك نفس تفكير برنت سكوكروفت، ولكنني أظن أنه يشاركك أيضا نفس الميولات الواقعية.

كيسنجر: إن تصوّر أوباما حول كيفية عمل المصالح الوطنية صحيح، ولكن الإدارة الأمريكية يجب أن لا تنظر إلى أن هذه المصالح ثابتة، ومحددة على المستوى الإقليمي لأن المصلحة الوطنية هي ديناميكية وليست ثابتة، كما أنها عالمية وليست إقليمية، وفي الواقع إن المصالح الإقليمية هي التقسيمات الفرعية لمفهوم النظام العالمي.

وأما فن السياسة الخارجية، فهو يتمحور حول دمج المصالح التي تبدو هامشية مع تلك الأساسية، وذلك من أجل تحقيق الأمن العالمي. إلى حد ما، ينبغي أن تسعى السياسة إلى دمج جوهر المصالح المتنافسة من أجل تحويل المواجهة إلى تعاون بين الدول؛ وأما تقييم تطور التوجهات السياسية المستقبلية سيكون عن طريق معرفة الفرق بين ما هو ثابت وما هو متحرك، وبين الدبلوماسية السلبية والدبلوماسية الاستباقية.

 

س: أحد نقاط التشابه بينك وبين أوباما تتمثل في وجهة النظر الوستفالية لحقوق الإنسان التي يتبناها كلاكما، حيث أنكما لا تعيران هذه المسألة أهمية كبيرة في السياسة الخارجية.

كيسنجر: تعتبر رؤية أوباما السلبية هي جزء من التاريخ، على الرغم من أن هناك جانبا مثيرا للحيرة في تصرفاته يتمثل في كيف يمكن لشخص ذكي جدا أن يتحدث بازدراء عن نظرائه في المقالات التي نشرتها. هذا محير حقا، لأن شخصا وصل إلى مكانته، لديه شعور بالتواضع.

 

مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم

س: ماهي الأشياء التي تنصح الرئيس 45 للولايات المتحدة الأمريكية أن يقوم بها؟

كيسنجر: يجب أن يسأل الرئيس القادم نفسه "ما هي الأشياء التي نسعى لتحقيقها؟؛ وما هي الأشياء التي نحاول تجنبها، حتى لو كان يجب عليه محاربتها وحده؟ والأجوبة على هذه الأسئلة هي الركائز الأساسية لسياستنا الخارجية، والتي ينبغي أن تُشكل أساس القرارات الإستراتيجية التي يتخذها أي رئيس.

يعيش العالم في حالة من الفوضى، حيث أن الاضطرابات الأساسية التي تحدث في أجزاء كثيرة من العالم في آن واحد، خُلقت معظمها بسبب المبادئ المتباينة للأطراف المتنازعة. ولذلك، فإننا نواجه مشكلتين: أولا، كيف يمكننا الحد من الفوضى الإقليمية؟ ثانيا، كيف يمكننا خلق نظام عالمي متماسك يقوم على أساس المبادئ المتفق عليها والتي تعتبر ضرورية لعمل النظام العالمي بأكمله؟

 

س: أليس ذلك صحيحا، أن العديد من الأزمات تحدث دائما، قبل أن يجد الرؤساء الوقت لخلق نظام عالمي متماسك؟

كيسنجر: عموما، تبحث جميع الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط وكذلك في الصين وروسيا، وإلى حد ما في أوروبا، على قرارات إستراتيجية كبرى.

 

س: وما الذي ينتظرونه؟

كيسنجر: ينتظرون تسوية أوضاعهم. فعلى سبيل المثال، تنتظر الصين البت في طبيعة المكانة التي تحظى بها في العالم؛ أما روسيا، فتبحث عن الأهداف التي ترمي لتحقيقها عن طريق دخولها في العديد من المواجهات. أما أوروبا، فتبحث عن الغرض وراء قيامها بسلسلة من الانتخابات. بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فهي تبحث عن معنى الاضطرابات الحالية التي تعيشها في أعقاب الانتخابات.

 

س: ما هي المصالح الثابتة والدائمة للولايات المتحدة الأمريكية؟

كيسنجر: أود أن أبدأ بالقول، أن الثقة بأنفسنا هو شرط أساسي في العملية السياسية، حيث لا يمكن أن نختزل مفهوم السياسة عن طريق اتخاذ سلسلة من القرارات التكتيكية البحتة أو عن طريق تبادل الاتهامات فيما بيننا.

وهنا يمكن أن نتذكر السؤال الاستراتيجي الأساسي في إتباع أي سياسة أو في اتخاذ أي قرار، ما هو الشيء الذي لن نسمح بأن يحصل؟ بغض النظر عن كيفية حدوثه، وعن مدى شرعيته.

 

س: أتعني بكلامك هذا، أن فلاديمير بوتين يريد غزو لاتفيا في سنة 2017؟

كيسنجر: نعم فعلا أقصد ذلك، هنا يجب أن نطرح السؤال الثاني للسياسة الخارجية الأمريكية وهو: ما الذي نحاول تحقيقه؟ نحن لا نريد أن تقع آسيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط تحت سيطرة بلد معاد واحد، في حين أن هدفنا يتمثل في تجنب هذا العداء. ووفقا لمنظوري الخاص حول أوروبا والشرق الأوسط، وآسيا، فإنه ليس في مصلحتنا أن تقع أي من هذه المناطق تحت سيطرة أية قوة في العالم.

 

س: ألا تظن أن هذا المنظور الذي اتبعته الولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قد لا يكون فقط أوباما هو من اتبعه؟ ومن وجهة نظرك، أي الأربعة المرشحين النهائيين لهذا العام؛ تيد كروز، ودونالد ترامب، وبيرني ساندرز، وهيلاري كلينتون؛ يتبع النموذج التقليدي للسياسة الخارجية؟

كيسنجر: أظن أن كلينتون هي الوحيدة التي تلائم هذا النموذج التقليدي للسياسة الخارجية.

 

س: ماذا تقصد بالضبط بكلامك هذا؟

كيسنجر: هذه المرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التي لم تستطع فيها الولايات المتحدة الأمريكية الحسم في طبيعة علاقتها المستقبلية مع العالم.

 

س: تعتبر هيلاري كلينتون أكثر تقليدية، في الواقع، من باراك أوباما، بشأن المسائل المتعلقة بالمسؤوليات الدولية والضرورية، لكن هل تظن أن فهم الأمريكيين للأولويات الأمريكية قد تغير، حيث أن انتخاب رئيس كهيلاري كلينتون يمكن أن يقيدها بضوابط ستحد من إمكانياتها؟

كيسنجر: بالنسبة لكثير من القادة في جميع أنحاء العالم، لا يزال أوباما لغزا محيرا حتى بعد توليه لثماني سنوات لمنصب الرئاسة الأمريكية. وأما إذا فازت هيلاري، ستتمتع بميزة لم يحظ بها غيرها، حيث أنها سوف تمثل الوجه التقليدي المألوف للسياسة الأمريكية. وتجدر الإشارة إلى أنك خلال المقابلات التي أجريتها مع أوباما، أعرب خلالها عن مدى فخره بالأمور التي منع إصدارها أو حدوثها.

 

س: هل تابعت السياسة القومية الأمريكية منذ سنة 1948 أو قبل ذلك التاريخ؟

كيسنجر: نعم كمشارك فيها، إلى حد ما، منذ سنة 1955.

 

س: هل يوجد إجماع نسبي من الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، في هذه الفترة، فيما يتعلق بأهمية الانخراط الأمريكي العميق في العالم؟

كيسنجر: هذه المرة الأولى في التاريخ التي تم فيها التشكيك بهذا الإجماع، ولكن أعتقد أنه نستطيع تدارك ذلك إلى حد ما.

كان يبدو لي أن العالم الغربي كان يريد أن يبني نظاما سلميا بعد الحرب العالمية الثانية، كما لم يكن هناك تشكيك في مدى استعدادنا للتضحية من أجل الحفاظ على هذا النظام. ولهذا الغرض، أرسلنا جيوشا كبيرة لأوروبا وصرفنا أموالا طائلة من أجل هذا النظام. ولكن، نحن، في الوقت الراهن، بحاجة إلى إعادة إحياء هذه الروح من جديد وتكييفها مع واقعنا الحاضر.

 

س: لماذا تغيرت هذه الدينامكية السياسية الآن؟

كيسنجر: لقد تغيرت بسبب تسامحنا مع التحديات التي واجهت معتقداتنا القومية الأساسية. ويمكننا عدم تكرار نفس هذا الخطأ، إلا إذا بذل كل من الحزبين الرئيسيين في البلاد جهودا مضاعفة.

 

س: هل تم تحطيم الخصوصية أو الاستثنائية الأمريكية؟

كيسنجر: لا، مفهوم الاستثناء الأمريكي لا يزال موجودا، ولكن معنى "المدينة مشرقة على التل" قد بدأ بالتراجع.

 

س: لكن هل كان أوباما قادرا على فهم مفهوم "المدينة المشرقة على التل" ومفهوم "الخصوصية الاستثنائية"؟

كيسنجر: ليس ذلك بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا ينبغي علينا أن نتوقف عن محاولة تطبيق قيمنا، حيث أن الدستورية والتفاني من أجل حقوق الإنسان هي من بين إنجازات المجد الأمريكي. ومن المؤكد أننا تمادينا في الاعتقاد بأننا يمكننا تحقيق الديمقراطية في الفيتنام أو في العراق من خلال هزيمة خصومنا عسكريا ومن خلال نوايانا الحسنة. ولقد تمادينا كثيرا عندما لم نقم بعمل عسكري يتلاءم مع الإستراتيجية الأمنية للمنطقة. ولكن الشيء الوحيد الذي استطعنا تحقيقه هو التعبير عن هذا الاستثناء الأمريكي. لقد ولت حقبة الاستثنائية الأمريكية منذ الحرب الباردة، لكن المهمة الرئيسة للإدارة الجديدة تتمثل في القدرة على التكيف مع الأوضاع.

يملك كل مجتمع الحق في تصور رؤية واضحة لمستقبله، لا تكون قائمة على الإحساس بالذنب. لكن لا يمكن أن ننكر، أن كل المجتمعات على مر التاريخ البشري، قد عاشت ضربا من ضروب الانحطاط، يمكن أن يمنع كبرياء الفرد من الاعتراف بذلك، لكنه بحاجة إلى التواضع والثقة بالنفس للاعتراف بالقيود المفروضة عليه، نظرا لأن انعدام الثقة في المجتمع هو أحد عوارض الانحطاط المبكرة للدول.

 

س: هل كنت تعتقد أن الولايات المتحدة لن تعيش هذه المرحلة من الانحطاط؟

كيسنجر: لا أستطيع أن أصدق أن ذلك سيحدث، وكل الوقائع التي يشهدها التاريخ تدل على عكس ذلك. ولتفادي وصول الولايات المتحدة إلى هذه المرحلة من الانحطاط، يجب علينا العمل دائما بالرجوع إلى أسس قيمنا ومبادئنا التقليدية، لكن للأسف، نحن نحتاج دائما إلى إجراء تعديل جزئي في هذه المبادئ عند الاصطدام بثقافة العديد من المجتمعات الأخرى، وهذا هو أحد مآزق السياسة الخارجية الذي تقع فيه دائما.

 

س: في كتابك الأخير تطرقت لنقطتين متناقضتين؛ الأولى، قلت فيها إن الولايات المتحدة تواجه مشكلة في صنع السياسة الخارجية فضلا عن الاختلاف الشاسع للتوجهات السياسية لكل إدارة، والثانية، أشرت فيها إلى أن كل الرؤساء الذين جاؤوا بعد فترات الحروب قد تبنوا كلا من مفهوم "الاستثنائية" الأمريكية و"الضرورية" الأمريكية، ألا ترى أن هذه الأفكار متناقضة؟ وهل ترى أن الرئيس أوباما قد استطاع تطبيق مفهوم الضرورية الأمريكية خلال فترة حكمه؟

كيسنجر: كان الإيمان "بالاستثنائية" الأمريكية موجودا، لا محالة، خلال كل الحقبات الرئاسية للتاريخ الأمريكي، لكن تَنوع تطبيق هذا المفهوم من إدارة إلى أخرى.

 

 

 

يرى المنهج التقليدي الأمريكي أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية الدفاع عن دورها الدولي، من خلال تعديل قيمها الاستثنائية التي تتبعها في الداخل، لتتمكن من أن تصبح منارة مشرقة لبقية العالم. لكن في القرن العشرين، أصبح ينظر إليها "كمدافع عن الديمقراطية في العالم"، تساعد بقية الدول على مقاومة العدوان الخارجي وعلى تعزيز نمو الديمقراطية، وإذا لزم الأمر تلجأ للوسائل العسكرية لمحاربة منتهكي حقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى أن هذين المنهجين يختلفان عمليا ولكن يتفقان على تحقيق نفس الهدف، الذي يعتبر أن مهمة الولايات المتحدة تكمن في نشر قيمها ومبادئها في كل أرجاء العالم.

نحن نعيش، في الوقت الحالي، مرحلة يتم فيها مراجعة مفهوم الاستثنائية، في نهاية الحرب العالمية الثانية، كنا نملك قرابة 55 في المائة من الناتج القومي الإجمالي في العالم، مما جعل وزارة الخارجية الأمريكية تعمل على تخصيص موارد لكل منطقة في العالم، وكانت قادرة على التغلب على أي تحد يواجهها. ونظرا لأننا لا نمتلك، في الوقت الراهن، إلا ما يقارب عن 22 في المائة من الناتج القومي الإجمالي في العالم، فنحن نحتاج إلى تحديد الأولويات بدلا من الاعتراف بأننا لا نستطيع أن نتدخل في العديد من المناطق دون التعاون مع دول أخرى.

للمساهمة في إقامة نظام عالمي أكثر استقرارا، نحن بحاجة إلى تعزيز الإدراك حول عقيدة الشراكة، التي كانت الإدارة الأمريكية بارعة في تحليل القيود التي تمنعها عن تطبيقها، وبالتالي يمكن القول أن ما لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من رؤيته حتى الآن؛ هو هذه الرؤية الجديدة لمستقبل النظام العالمي.

يتمثل مفتاح إتقان فن التدخل الدولي في مدى الاستعداد لمواجهة الغموض الذي يدور حول العديد من القرارات الدولية وفي كيفية تجاوز هذا المأزق. وبالنسبة لفن إتقان السياسة الخارجية، فإنه يتمثل في العمل على ضوء التقييمات الماضية لسياسات سابقة، التي لا يتمكن أي سياسي إثبات مدى نجاعتها عندما يكون هو المسؤول عن القيام بها. كما يؤدي الإصرار على توضيح الأهداف التي تقف وراء اتخاذ أي قرار إلى الدخول في مرحلة الركود السياسي.

 

س: هل ترى أن وجهات نظر أوباما متداولة كثيرا، أو سلبية أكثر من اللازم، على عكس الرئيس السابق، الذي كانت وجهات نظره استباقية أكثر من اللازم؟

كيسنجر: ربما نسبيا، نظرا لأنه يستمد وجهات نظره من قناعاته الفلسفية الشخصية. ولكن لا يعني ذلك أن كل خطوة استباقية تم اتخاذها كانت صحيحة. ومن وجهة نظري أن الرئيس السابق، الذي أكن له احتراما كبيرا، كان على صواب عندما قام بالإطاحة بنظام صدام حسين، ولكن تحقيق الديمقراطية في العراق ينبغي أن يكون بمجهود دولي شامل لا بمجهود الولايات المتحدة الأمريكية فقط.

 

س: هل تغيرت وجهة نظر الأمريكيين حول الدور الأمريكي في العالم؟

كسنجر: شكك العديد من الأمريكيين في مدى نجاح السياسات الخارجية الدولية، على ضوء فشل العديد منها. ولكن أظن أن أي رئيس أمريكي سيلقى دعما من شعبه إلا إذا كان يتسم بالشجاعة ويملك أجندة سياسية واضحة وهادفة.

 

س: هل يمكننا تحمل تداعيات الانسحاب من الشرق الأوسط؟

كيسنجر: نحن لا نستطيع الانسحاب من الشرق الأوسط. نحن نحتاج إلى وضع إستراتيجية واضحة حول طبيعتنا تدخلاتنا في هذه المنطقة وليس إلى الانسحاب.

يشهد العالم لحظة مفصلية جعلته يعيش حالة من الخمود، نظرا لتأجيل العديد من البلدان النظر في العديد من القرارات في انتظار معرفة مصير الانتخابات الأمريكية؛ التي ستعجّل حصول بعض الأمور؛ وستؤثر على العديد من المعطيات في العالم.

 

جدلية المصداقية في السياسة الأمريكية

س: إن العديد من النقاد يعتقدون أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما يشكك في بعض الادعاءات الأساسية المتعلقة بالدور الأمريكي في العالم، وقد أعرب في حواراته معي حول أسبابه العقلانية لعدم اتخاذه إجراءات صارمة عند استخدام الرئيس بشار الأسد للأسلحة الكيميائية في سوريا، والتي أظن أنك لا توافق عليها، قائلا أنه غير مستعد لتفجير شخص لإثبات أنه على استعداد لتفجير شخص آخر. أظن أنه عندما أدلى بتصريحات لي، من هذا القبيل، كان يقصد بذلك كمبوديا.

كسنجر: لقد حان الوقت لتلعب كمبوديا دورا رمزيا في العالم لأنها تعدّ المكان الوحيد في الهند الصينية الذي لم يشهد حربا ليبرالية، حيث بدأ التزامنا العسكري بالفيتنام مع مجيء الرئيس الأمريكي كينيدي وُتوّج مع قدوم جونسون. لقد كان نيكسون مسؤولا عن قرار مهاجمة المعاقل الشيوعية في شرق كمبوديا، تلك البلدة الصغيرة المسالمة. تعرضت كمبوديا لقصف شديد تلته العديد من الاحتجاجات الشعبية.

أجرت إدارة أوباما بشكل منهجي قصفا مماثلا لأسباب مماثلة، ولكن عن طريق استخدام طائرات دون طيار في باكستان والصومال واليمن. لقد دعمتُ هذه التفجيرات، ظنا مني أن الإدارة الأمريكية ستشهد سياسة خارجية خلاقة، تمكنها من تخليص نفسها من كل الشعارات القديمة ومحاولة التغلب على التحديات الحالية.

 

س: ما قصدته بحديثي أن أوباما كان يفكر في كمبوديا، عندما قال إنه يفكر في العهد الذي جاء فيه نيكسون وكيسنجر إلى السلطة، اللذان كانا يشعران أنهما بحاجة إلى تأسيس مصداقية مع هانوي، وذلك من خلال شنهم لحرب عليها.هل كلن هذا هو تحليله حول كيفية إقحام الولايات المتحدة نفسها في المشاكل؟

كيسنجر: هذا ليس صحيح، بعد شهر واحد من تولينا هذا المنصب، قُتل أكثر من 2000 شخص كانوا يقطنون في ملاذات آمنة في كمبوديا. ولذلك كان علينا التحرك وإنهاء هذه الحرب.

 

س: ولكن هذا التدخل كانت له شعبية كبيرة

كيسنجر: أعرف ذلك، عندما جئنا إلى السلطة بدأ هجوم فيتنام الشمالية في غضون أسبوعين، وسقط قرابة 500 ضحية في الأسبوع واضطررنا لقصف كمبوديا، لكن لم نكن نهدف بذلك إلى استئناف القصف في الشمال. لم تكن تتعلق المسألة بافتعال حرب جديدة أخرى في كمبوديا لأن هذه البلاد كانت بالفعل تشهد حربا.

 

س: اعتبر أوباما تراجعه عن "الخط الأحمر" الذي وضعه في حال استخدم نظام الرئيس السوري بشار الأسد أسلحة كيميائية تحطيما لقواعد اللعبة في واشنطن، قائلا إنه لا يعتقد أن تكريس المصداقية الأمريكية يكون عن طريق استخدام القوة. ما هي وجهة نظرك من الجدل الذي آثره الخط الأحمر؟

كسنجر: أعتقد أن الخط الأحمر، قبل كل شيء، هو مسألة رمزية. وأظن أنه كان قرارا غير حكيم في مشهد سياسي مليء بالتناقضات. ولكن كان ذلك من بوادر وجود مشاكل عميقة في الإدارة الأمريكية. في المقابل، كان ينبغي استخدام القوة العسكرية في ذلك الوقت.

 

س: كيف يمكنك وصف العلاقة بين الدبلوماسية والقوة، كما تعلمون، حاول جون كيري طيلة العام الماضي الضغط على أوباما لتوجيه ضربات ضد الأسد من أجل التركيز اهتمامه على ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي، حيث كان هذا الموقف رائعا لكيري، ذلك الرجل الذي بدأ حياته المهنية احتجاجا على حرب الفيتنام، والآن يشجّع على توجيه ضربات عسكرية لسوريا من أجل تكريس المصداقية الأمريكية.

كيسنجر: أنا أحترم شجاعة ومثابرة جون كيري. في سوريا، صرّح أنه يسعى لتشكيل حكومة ائتلافية مكونة من الأطراف المحاربة فيها. ولكن حتى إذا تمكن من تأسيس مثل هذه الحكومة، يجب عليه تحديد القوة الفاعلة التي لها القدرة على تسوية النزاعات عندما تنشأ من جديد، نظرا لأن وجود حكومة لا يضمن أنه سوف ينظر إليها على أنها مشروعة أو أن أوامرها ستطاع.

لقد حان الوقت ليفهم كيري أنه يجب عليه ممارسة ضغوط أخرى لتحقيق الأهداف التي يرمي إلى تحقيقها؛ كما يجب عليه أن يغير موقفه من حرب الفيتنام.

يمثل استخدام القوة العقوبة النهائية للدبلوماسية، حيث لا يمكننا الفصل بين هذين المفهومين، لكن ارتباطهما لا يعني أن كل مرة يتم فيها المماطلة في المفاوضات، يمكنك اللجوء إلى القوة بل ببساطة أن المعارضة المتواصلة لمبدأ التفاوض يمكن أن يصل إلى نقطة انهيار سوف تحاول بعدها فرض إرادتك، وبالتالي، سوف نصل إلى طريق مسدود وسوف تهزم الدبلوماسية.

كما أن الوصول إلى حل فرض القوة، يتطلب امتلاك ثلاثة عناصر أساسية؛ أولها القوة الكافية؛ ثانيها، الاستعداد التكتيكي لفرض هذه القوة؛ ثالثها مذهب استراتيجي له القدرة على إعادة النظام.

 

س: ما زال الضوء مسلطا على مفهومك الخاص للمصداقية

كيسنجر: إن المشككين في نظرية المصداقية، كعنصر مهم في النظام العالمي، دائما ما يدعمون وجهة نظرهم بالإدعاء أن المدافعين على هذه النظرية يتبعون نفسية خدمة المصالح الذاتية كإستراتيجية. لكن لي وجهة نظر مختلفة تماما بخصوص هذه المسألة. إن مصداقية الدولة مهمة بقدر أهمية هذه الصفة في شخص المرء فهي تمثل ضمانا لا يمكن الطعن فيه وبهذا يمكن للدول الصديقة التعويل عليها كما يجب أخذ الأعداء والخصوم لتهديداتها على محمل الجد. وهي بالتالي تعد من أساسيات أية إستراتيجية وليست محض "انفصام نفسي" واضح.

إن مهمة إثبات أن المصداقية مقيدة، من جهة، بالسياسة الدبلوماسية ومن جهة أخرى بالتدرج في السلطة. وبالنسبة للدول التي اتفقت فيما بينها على أسس معينة أو على أهداف محددة، فإن الدبلوماسية ستكون الطريقة المثلى لإرساء التوافق. أما عندما لا تكون هناك أهداف مشتركة وتتقاطع المصالح فإن منطق القوة سيكون هو المهيمن. لكن ذلك لا يعني أنه لا توجد حالات شاذة في ظل حيثيات نادرة يمكن أن تعتبر كمثال يحتذى به في المجال الدبلوماسي. وتجدر الإشارة إلى أن الدبلوماسية تستمد زخمها من الوعي الكامن بتداعيات فشل السياسة المعتمدة. وعندما تنتهي الحروب، فإن الدبلوماسية تحكم لتحدد مدى سيرورة العملية السياسية ولجعلها بديلا للحرب، وجب تحديد ضوابط للمصلحة الوطنية التي من المفترض أن تتبلور في شكل إستراتيجية لمزيج من كلا العالمين.

إن الإصرار على المصداقية يجب أن يحكم عليه من خلال قابليتها للتطبيق في مختلف الأوضاع الدولية. عندما أدلى ريتشارد نيكسون بالقسم الرئاسي سنة 1969، احتل الإتحاد السوفيتي باسم اتفاقية وارسو تشيكوسلوفاكيا في أقل من سنة وهدد بحصار برلين على مر عقد ونصف، وقد سبقت أسمة الصواريخ الكوبية هذه الواقعة بسبع سنوات. في تلك الأثناء كانت الجيوش السوفيتية تركز اهتمامها على الحدود الصينية وتخطط لشن غزو عليها. أما في الصين، فقد أعلن ماو عن تأهبه لسحق 300 مليون مدني في حرب نووية؛ وفي تلك الحقبة كانت البلاد تشهد ثورة ثقافية ولم يكن يمثلها في الخارج سوى سفير واحد فقط.

في ذلك الوقت لم تنشأ بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية أية علاقات دبلوماسية ولم يتم إبرام سوى عدد لا يذكر من العقود على مدى عشرين سنة. وخلال مدة تجاوزت العقد من الزمن، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتقدم رويدا رويدا نحو الهند الصينية؛ إذ ركزت 500 ألف جندي وكان عددهم في ارتفاع وفقا للجدول الذي أعدته الإدارة الأمريكية السابقة. أما الفيتنام وارتباطها بأولويات الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أضحت حتما إحدى أهم مدارات اهتمام إدارة نيكسون.

وفي ظل هذه الظروف، أرسى الرئيس نيكسون ومستشاروه خمسة غايات رئيسية تتمثّل أولا في ردع القوات العسكرية السوفيتية وعرقلة تحركها؛ وثانيا في إتاحة الخيار الدبلوماسي للإتحاد السوفيتي وخاصة الحرص على احترام مبدأ التحكم في الأسلحة النووية؛ وثالثا في السعي إلى إيجاد طريقة لإدخال الصين ضمن النظام العالمي. أما الغاية الرابعة، فهي إعادة النظر في سياسة الشرق الأوسط لعلهم يكتشفون وسيلة تستعيد بها العلاقات مع الدول العربية وتقلص من نفوذ الإتحاد السوفيتي في المنطقة. وقد كانت الغاية الخامسة تتعلق ببذل جهود حثيثة لاحتواء الحرب في الفيتنام والحيلولة دون انتشارها على نطاق أوسع واستنزاف المجهودات الوطنية. فمن الجلي إذن أن وضع حد للحرب الفيتنامية كان من العناصر الأساسية لتحقيق غاياتنا الأخرى.

تمثلت خطوتنا الأولى في دراسة الموقع الذي كنا فيه والغاية التي كنا نصبو إلى تحقيقها، وخلال هذه المرحلة توصلنا إلى خلاصة من ثلاث نتائج نظرية. أولها، الانسحاب الفوري الذي لم يستند عن أي أساس عملي أو سياسي لاتخاذ مثل هذه الخطوة؛ وقد يستغرق إجلاء 550 ألف جندي أمريكي، الذين من المحتمل أن يكونوا محاطين بحوالي 880 ألف من المعادين بالإضافة إلى قرابة مليون من المتودّدين إليهم ظاهريا لكنهم يضمرون لهم العداء باطنيا، الكثير من الوقت حيث كانوا يشكلون خطرا على القوات الأمريكية خلال تنفيذ هذه العملية. كما أن الحكومة التي كانت تستعد لتغادر مقاليد الحكم في ذلك الوقت لم تترك أي برنامج يعنى بتداعيات الإجلاء التام. لكن الحرب لا ترمي أوزارها بمجرد الإعلان عن نهايتها. كل أهدافنا المتبقية كانت لتوضع على المحك لو جازفت الولايات المتحدة وأخذت على عاتقها مثل هذه الخطوة.

وفي ظل تلك الظروف كان هناك خيارين واقعيين يفرضان نفسيهما أولهما كان "الفتنمة"، وهي سياسة اتبعها نيكسون لبناء الأسطول الفيتنامي بتشكيل جيش يضمن، من خلال نوعية التدريبات التي تلقاها وعدد جنوده، الدفاع عن البلاد عند انسحابنا. أما الخيار الثاني، فيتمثل في اقتراح مشاورات السلام من منظور شامل إلى أقصى حد وإن تم رفضها فقد كنا لننسحب في جميع الأحوال. لقد أخذنا بعين الاعتبار كلا الخيارين. وفي العديد من المذكرات إلى نيكسون، أشرت إلى تحفظي بشأن سياسة الفتنمة (بالتوازي مع ما كنت قد كتبته مسبقا إلى البنتاغون في فترة إدارة جونسون). لكنني على خلاف ذلك كنت أفضل إتباع سياسة التفاوض القائمة على المواجهة المباشرة والحاسمة التي خضنا غمارها من قبل. وكان ذلك في مارس/آذار سنة 1969، عندما أعلمنا السفير التابع للإتحاد السوفيتي، أناتولي دوبرينين، أننا مستعدون لإرسال سايرس فانس للتفاوض مع الفيتناميين الشماليين في موسكو على اتفاق السلام الشامل. وبالتزامن مع هذه المشاورات، اكتشفنا الخيارات التي يتيحها التصعيد العسكري. لقد رفض هانوي التفاوض مع مشاركة دولة ثالثة ولم نعلم بذلك سوى بعد فوات الأوان لأنه لم يصلنا أي رد رسمي من قبلهم، ولعل ذلك ما دفع بالرئيس نيكسون إلى إتباع خيار "الفتنمة".

 

س: هل كانت غايتك الرئيسية الحفاظ على المصداقية الأمريكية؟

كيسنجر: لقد التزمت الولايات المتحدة الأمريكية، على الأقل على مر ثلاثة إدارات، بمبدأ عدم التخلي عن أي شعب طلب نجدتها من الهيمنة الشيوعية. كانت الولايات المتحدة الأمريكية محور النظام الدولي ولقد أحسسنا أننا مجبرون على التقيد بالتزاماتنا المتمثلة في كفاءتنا الكافية للدفاع على الأقاليم الأخرى وعلى الحلفاء. لم ننتقد أبدا الإدارات السابقة المفتقرة للحوكمة الرشيدة، على الرغم من أن كتاب نيال فرغيسون بيّن أنني تسرعت في تعبيري عن الشكوك التي ساورتني إزاء سياستها. وعلى الرغم من السياسة الدبلوماسية الحالية مع الفيتنام ، فقد كنا أكثر مرونة في عدة نقاط، ويمكن أخذ جدول الانسحاب الأمريكية كمثال، لكننا لم نكن لنتقبل حصيلة تحرم الشعب الفيتنامي من القدرة على التعبير عن وجهة نظرهم حول الهيكل الحكومي الذي يودون تشكيله. كما أننا لم نكن لنرضى بطلب هانوي الملح المتمثّل في الإطاحة بالحكومة المتحالفين معها ليكون ذلك تمهيدا لأي خطوة أخرى قد تفكر الولايات الأمريكية في اتخاذها.

بدأنا بإجلاء قواتنا العسكرية في غضون ستة أشهر بعد تولينا للإدارة على الرغم من شن الفيتنام الشمالية الشيوعية هجمات على القوات الأمريكية بعد ثلاثة أسابيع من تولي نيكسون للرئاسة منتهكين بذلك الاتفاق الذي أبرمه الرئيس ليندون جونسن في آخر مشروع دبلوماسي في الفيتنام. أثناء الأشهر الستة الأولى، التي عُرفت بالفترة التي عانى فيها المدنيون على إثر تولي نيكسون لمقاليد الإدارة الأمريكية، كنا لا نزال ندرس الخيارات المتاحة أمامنا. ومع سنة 1971، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد انسحبت من أرض المعركة وبحلول سنة 1972، لم يتبقّ سوى 25 ألف جندي أمريكي داخل الأراضي الفيتنامية. وبدأ رعايانا المتواجدون فيها بالتناقص تدريجيا لتنخفض نسبة المغادرين من 500 مواطن في الأسبوع إلى حدود 25 أمريكي في الأسبوع.

لقد أدليت بمثل هذه الطّرادة لأنني أعتقد أن الشأن الفيتنامي قد دمر الخطاب الدبلوماسي الأمريكي منذ ذلك الوقت. إلى حدود الستينات، كان هناك خلافات شديدة لكن أغلبها كان متعلقا بنجاعة أو رجاحة السياسات المتبعة. وبعد برهة من الزمن، تحولت هذه الخلافات إلى تهم أخلاقية تدين الإدارة التي تمسك بزمام الأمور وبأعضائها. وعندما أصبح تراشق جرائم الحرب صيغة معتادة في الخطابات السياسية ولعل ذلك ما نسف وحدتنا الوطنية. ومن تداعيات ذلك خسرت الدبلوماسية الأمريكية مرونتها وقوتها الإستراتيجية لكن ذلك لم يكن سوى حكما إستراتيجيا ولم ينبع عن ردة فعل نفسية.

 

س: ما علاقة ذلك بانحطاط مفهوم المصداقية الأمريكية المعاصر في منطقة الشرق الأوسط؟ لقد تحدثت مؤخرا مع أحد كبار المسؤولين الآسيويين الذي صعقوا بقرار أوباما بخصوص "الخط الأحمر". لقد كان ذلك بالنسبة لهم بمثابة هزة أرضية.

كيسنجر: مع كل الاحترام للفيتنام، إن الأساس الذي تقوم عليه نظرة لي كوان يو يتمثل في أن سنغافورة، البلد الصغير الذي يقع في منطقة هيمنت عليها الصين منذ فجر التاريخ، تحتاج إلى استحضار صورة الولايات المتحدة الأمريكية في الوعي الصيني. وبالتالي فإن انهيار النظام في الفيتنام كان من الممكن أن يخلف هيمنة الصين "المايوية" ويساهم في دس مزيد من الجواسيس الذين سيكونون أذانها وأعينها في جنوب شرق آسيا.

لقد كنا مقتنعين، مثله تماما، بأن استقرار النظام العالمي مرتبط أساسا بالتعويل الكلي على إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، كما اعتقدنا أنه كان باستطاعتنا ضمان تحقيق هذه الأهداف بفعالية أكثر من خلال إتباع سياسة تعتمد بالأساس على تهدئة الأوضاع على الجبهة الفيتنامية والانسحاب التدريجي من المنطقة والالتزام بالنتائج التي ستفضي إليها المفاوضات.

ما أخطأنا في الحكم عليه لم تكن مسألة المصداقية التي لم نعرها أية أهمية تذكر بل كل ما كنا نعتقده في ذلك الوقت أنه كان علينا إيجاد سبيل لتفاهم أطراف النزاع والأخذ بعين الاعتبار استقلالية الشق الفيتنامي الجنوبي. بالنسبة لهانوي، لم تكن الحرب تتمحور حول تركيز تأثير نسبي لقواتها؛ بل كانت بالأحرى حول التحكم الكامل بزمام الأمور وأي أمر كان لا يرقى لتطلعات القيادة في هانوي كان يعتبر بمثابة هزيمة تاريخية نكراء. وبينما كانت تعقد المفاوضات وكان النقاد يتهمون إدارة نيكسون بالتراخي وتفويت افتتاح هانوي، كانت القيادات السياسية الفيتنامية تتأهب لشن هجوم. وفقط في أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1972، عندما أحبط الهجوم قبلت هانوي بالتقيد بما أملي عليها لمدة فاقت السنة، لكن لم تأخذ على عاتقها أي نوع من الاتفاقات. وعندما سنحت الفرصة لإبرام الاتفاق الذي طال انتظاره، فقدنا القدرة على إرغامها بأي اتفاق بسبب فضيحة تبييض الأموال، التي أحطّت من شأن سلطة الرئيس التنفيذية وحدت من المساعدات والإمدادات العسكرية التي كان يوفرها الكونغرس لتفعيل عمل القوات الأمريكية في إندونيسيا. وبعد تلك الأزمة العصيبة لم تكن سوى مسألة وقت حتى بدأت الفيتنام بالإنهيار.

 

س: هل فقدت الولايات المتحدة الأمريكية مصداقيتها على مر السنوات الثمانية المنقضية؟ وماذا عن آخر خمسة عشر سنة؟

كيسنجر: لقد امتدت مدة فقداننا لمواقع التأثير في العالم لبرهة من الزمن؛ وعلى غرار الفيتنام، فقد خسرنا الحرب الأفغانية والعراقية عندما فشلنا في الوصول إلى ما كنا نصبو إليه. وكما حدث مع الفيتنام، فقد جمعنا التحديات بمرارة والجدالات التي لا جدوى منها بالإضافة إلى حصادنا لسلسلة من الانسحابات الفردية لوضع حد للحروب التي اندلعت في العالم. وجل ما حصل بعد واقعة الفيتنام، ساهم في انتقال الجدل المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية، على مضض، من التأييد العام لأهداف السياسة الأمريكية إلى المطالبة بإنهاء الحرب واعتبار ذلك غاية في حد ذاتها. لكن من المهم الإشارة إلى أن نهاية الحرب لن تساهم في تحقيق الاستقرار العالمي واستتبابه إلا إذا تم تحوير الأوضاع والظروف التي أدت في البداية إلى اندلاعها.

 

س: ماذا يتحتم على الرئيس الأمريكي الجديد فعله ليعيد المصداقية أو التأثير إذا وقع اختيارك على هذه الكلمة؟

 

 

 

إن حقوق الإنسان تعتبر من أهم أهداف السياسة الأمريكية كما أن الأمر سيان بالنسبة للأمن الوطني.

كيسنجر: عادت الولايات المتحدة الأمريكية إلى السياسة الخارجية المتمركزة على الإستراتيجية المتوقعة والمضمونة. كما يجدر بالرئيس الجديد تولي منصبه وهو على يقين بأن وجهة نظره أو نظرها أن المصداقية محددة عن طريق ردة فعله تجاه الأزمات والقدرة على استنباط الحدس الذي تستوجبه الأزمات الحالية. وهذا يفترض تعريف واضحا لمدارات الاهتمام والأهداف التي ترتكز عليها السياسة الخارجية الأمريكية. إن أكبر تحدّ للرئيس القادم يكمن في كيفية توجيه السياسة الأمريكية نحو الثورات المندلعة في مختلف أنحاء العالم في نفس الوقت مع التغلب على الإرهاب. وخارج نطاق هذه العملية المتبعة في مختلف الحقب التاريخية ومن قبل العديد من الثقافات، فإن النظام العالمي الجديد يجب أن يتم إرساؤه وإن أخفقنا في ذلك، فإن البلاد ستتأرجح بين الأزمات دون أن تحرز الولايات المتحدة الأمريكية أو العالم أي تقدم يذكر.

إن تباين مواقف الولايات المتحدة الأمريكية حول مدى التزامها بالشأن السوري، لتي ظلّت تتخبّط بين تردد ورفض للتدخل العسكري لحل هذا النزاع، يعكس هذه الضروريات. وقد أعلنا بخصوص هذا الشأن الهدف وراء تنحّي بشار الأسد لكننا لم نتعهد بتقديم بديل لتفعيل هذا الهدف، وقد بدا أننا توقعنا أن الإطاحة بالأسد ستحدث بصورة أوتوماتيكية تبعا للنداء الذي وجهناه والذي سيؤدي مباشرة إلى تحقيق الديمقراطية. لكن الشعب السوري متنوع ويشهد العديد من النزاعات القائمة بين الأقليات الدينية والعرقية التي تتقاتل فيما بينها. وبالتالي، فإن اندلاع حرب أهلية بدل إرساء الديمقراطية بين إلى أي مدى كانت أهدافنا مأخوذة على محمل الجد. وفي هذا الإطار، كان من الجلي أنه لم تكن أي من الأقليات العديدة المتنازعة في سوريا من أجل بسط نفوذها مستعدة للتقيد بانتخابات. وفي خضم التداعيات التي ولدتها الحرب في العراق وأفغانستان والفيتنام، لم نكن نرغب في إلزام أنفسنا بتوفير التجهيزات العسكرية اللازمة لفرض نظام ديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أن ترسيخ مبادئ وقيم الديمقراطية في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تطلّب هزيمة الخصم كليا بالإضافة إلى الحفاظ على الاستثمارات الأمريكية في كلا البلدين. لكن احتراز الولايات المتحدة الأمريكية من إتباع أي سياسة في سوريا كانت له عواقب وخيمة لأن الإرهاب قد اغتنم فرصة وجود ثغرة بين الأهداف والإمكانيات والمفهوم الاستراتيجي.

 

السياسة الواقعية في مواجهة حقوق الإنسان

س: إلى أي درجة يجب على القيادي الأمريكي أن يتقيد بمخاوف حقوق الإنسان أو الرهانات الأخلاقية في سبيل الاستقرار مقارنة بالسلط العليا؟

كيسنجر: لقد وظفت مصطلح "الاستقرار" عدة مرات في أسئلتك. يظل النظام العالمي مستقرا عندما تكون هناك حاجة ملحة للتحوير الذي يمكن أن يتحقق دون الإطاحة بالنظام عينه. وبالتالي فإن النظام يمكن أن ينزلق إلى الفوضى عندما تتمحور الرهانات الكبرى حول أسس هذا النظام: ثم يتطور مع إصدارات التوازن المتنافسة، لذلك قلّما تتاح خيارات واضحة المنهج لأنها دائما ما تتطلب إيجاد التوازن المطلوب بين الأمن وحقوق الإنسان.

 

س: أعتقد أنك مناشد المعتقدين بأهمية الاستقرار العالمي.

كيسنجر: وهو كذلك، لكنني أؤمن أيضا بنظرية الاستقرار المتطورة كما أنني لا اعتقد بإمكانية الحفاظ على الوقت الراهن إلى الأبد. ويكمن الرهان هنا في كيفية تقسيم النظام بشكل يجعل حدوث أي تغيير طارئ مستوعبا دون توليد فوضى عارمة.

 

س: إن مفهومك الخاص بالنظرية التطورية للاستقرار مثير للاهتمام.

كيسنجر: إنها من المفاهيم المركزية التي تقوم عليها فلسفتي.

بالنسبة إلى تاريخي الشخصي، فإن حقوق الإنسان ستظل دائما وأبدا من أهم محاور اهتماماتي لكن مع التعمق في دراسة التاريخ وخوض العديد من التجارب، تصبح الإجابة على سؤال كهذا دون مراوغة أو تناقض أمرا نادرا. إن الصناعة السياسية تتطلب المساومة والتسوية وأحيانا تقديم تضحيات كبيرة وستكون النتيجة المثلى لهذا؛ انتصار القيم الديمقراطية التي تحققت بفضل إتباع سياسة تولي أهمية كبرى للوقت.

 

س: هل استحق الانفتاح على الصين كل تلك التضحيات وإزهاق الأرواح بسبب التجربة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في أزمة الهند والصين وبنغلاديش؟

كيسنجر: إن حقوق الإنسان تعدّ من الغايات السامية للسياسة الأمريكية لكننا نولي أيضا أهمية كبرى للأمن القومي وهذا لا يعني أننا ملزمون باختيار أحدهما. وعلى الرغم من هذا المعطى، فإننا نوضع في مواقع تضطرنا إلى الاختيار بين الحفاظ على الأمن القومي من التهديدات الخارجية وبين إرساء ثقافة حقوق الإنسان. وفي بعض الحالات التي تنتج عن نشوب صراع في إحدى الدول المفصلية بالنسبة للأمن الأمريكي أو بالنظام العالمي ويرصد فيها إتباع لسياسة متعارضة مع مبادئنا، يتحتم على الرئيس اتخاذ الإجراءات اللازمة. وتتمثل هذه الإجراءات في جملة من القرارات التي تتخذها القيادة الأمريكية بشأن؛ حجم الصراع والموارد المتاحة لحله، كما يأخذ الرئيس بعين الاعتبار التداعيات المتوقعة للأفعال التي سيقدم عليها والمسار الذي سيسلكه مع ضمان تأييد الشعب الأمريكي له وتقدير مجهوداته.

والجدير بالذكر أن التركيز المفرط على مسألة حقوق الإنسان قد نتج عنه بناء دولة مزعزعة الأركان في العراق. كما أن غظ النظر عن هذه النتيجة الكارثية قد أدى إلى حدوث إبادة جماعية في رواندا. ومازال صناع السياسة المعاصرين في الولايات المتحدة الأمريكية يواجهون تحديات كبرى بخصوص هذه المسألة في جميع أنحاء العالم وعلى وجه الخصوص في منطقة الشرق الأوسط.

لا يمكن لرجل الدولة أن يصل إلى الغايات التي يتوق إلى تحقيقها دون المرور بمراحل وذلك طبعا وفقا للمبادئ التي يرتكز عليها فن السياسة التي تبين أن النجاح في هذا المجال يتطلب التدرج في السلم السياسي مرورا بالإخفاقات ووصولا إلى النجاحات.

إن السؤال المطروح حول بنغلاديش يوضح كيف تداخلت المفاهيم والتبس الأمر على الساسة أثناء النقاش العام لهذه المسألة. ومن الجلي أنه لم يكن هناك خيارات متعددة بشأن الأزمة التي كانت تشهدها بنغلادش والمواصلة في مشروع الانفتاح الاقتصادي على الصين. من المستحيل الخوض في هذه المسالة والتطرق إلى جميع المواضيع المرتبطة بها وتناول جميع النقاط بالتفصيل في هذه المقابلة المقيدة بحيّز زمني مضبوط لكن هذا لا يمنع إمكانية توضيح بعض النقاط:

1- بدأ الانفتاح على الصين سنة 1969.

2- بدأت الأزمة في بنغلاديش في مارس/آذار سنة 1971.

3- وفي تلك الفترة الوجيزة، أجرينا جملة من التبادلات السرية للغاية مع الصين وكانت العلاقات بيننا على وشك أن تشهد انفراجا.

4- هذه التبادلات كانت تجرى عبر وساطة باكستان التي بدت أكثر طرف مناسب لرعاية المشاورات بين بكين وواشنطن.

5- أزمة بنغلاديش كانت في جوهرها مفتعلة من قبل الطرف البنغالي الذي كان يحاول الحصول على الاستقلال. لقد قاوم الباكستانيون ذلك بعنف شديد وانتهاكات مهولة لحقوق الإنسان.

6- كما أن إدانة هذه الانتهاكات الجسيمة والتنديد بها علنا كان ليدمر قناة التواصل الباكستانية التي كنا في أمس الحاجة إليها على مدى أشهر لاستكمال مشاوراتنا مع الصين التي انطلقت منذ البداية من باكستان. وقد كانت إدارة نيكسون تعتبر برنامج الانفتاح على الصين إمكانية دبلوماسية واعدة لإعادة صياغة العلاقات مع الإتحاد السوفيتي والسعي إلى تحقيق السلام. لكن الدبلوماسيين الأمريكيين الذي شهدوا المأساة في بنغلادش، تجاهلوا مشروع الانفتاح على الصين وحاولوا تنبيه الإدارة الأمريكية بحجم الكارثة الإنسانية غير أننا لم نستطع أن نندد بذلك علنا واكتفينا بتقديم المساعدات الغذائية لسكان المنطقة وتركيز جهودنا الدبلوماسية لتسوية الوضع.

7- بعد الانفتاح على الصين عبر باكستان، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تحث باكستان على منح بنغلاديش الحكم الذاتي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، اتفق الرئيس الباكستاني مع نظيره الأمريكي على منحهم الاستقلال في مارس/آذار التالي.

8- وفي ديسمبر/كانون الأول، اجتاحت الهند شمال باكستان، بنغلاديش، بعد أن أبرمت معاهدة عسكرية مع الإتحاد السوفيتي مفادها إمدادها للهند بالمساعدات العسكرية اللازمة.

9- وفي تلك الفترة كانت الولايات المتحدة الأمريكية مجبرة على التعامل مع الضغوطات التي كان يسلطها الإتحاد السوفيتي فضلا عن الأهداف الهندية والقومية الباكستانية بالإضافة إلى الشكوك الصينية. لقد كانت التعديلات التي تحتم على الولايات المتحدة الأمريكية القيام بها كثيرة ولم تكن الإدارة مستعدة لتقديم أية اعتذارات بشأن النتائج التي أفضت إليها. وبحلول مارس/آذار سنة 1972 نالت بنغلاديش استقلالها بعد مرور أقل من سنة على اندلاع الأزمة في المنطقة وانتهت الحرب بين الهند وباكستان. وقد تم الإعلان عن النجاح في استكمال مشروع الانفتاح على الصين غداة القمة التي عقدت في بكين بتاريخ فبراير/شباط سنة 1972، أما قمة موسكو في مايو/أيار سنة 1972 فقد أسفرت عن توقيع اتفاق رئيسي للمراقبة الأسلحة النووية والمسمى باتفاق "سالت 1". وعادت العلاقات إلى سابق عهدها مع الهند بحلول سنة 1974. كما تم إنشاء لجنة مشتركة بين الدولتين تعنى بالتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتكنولوجي والتعليمي والثقافي؛ الذي لا يزال جزءا لا يتجزأ من أسس العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والهند. ومقارنة بما آلت إليه النزاعات في سوريا، وليبيا، ومصر، والعراق، وأفغانستان، فإن التضحيات التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1971 لم تكن لها نتائج ملموسة.

 

س: هل اطلعت على خطاب سامانثا عن القوة الذي تطرقت فيه إلى قيم السياسة الخارجية؟

كيسنجر: إنها من أعز أصدقائي لكنها تمتلك وجهة نظر مختلفة بعض الشيء عن وجهة نظري التي أحترمها بالطبع. لقد تناولت في تلك المناظرة المشاورات القائمة في منظمة الأمم المتحدة وأقرت بأنه من الجلي أن أغلبها يتمحور حول القيم والمصالح الأمريكية. أنا أشاطرها إلى أقصى حد نفس الرأي المتعلق بضرورة تأثير الحجج الأخلاقية على القرارات السياسية، لكن يجب أن تكون هذه الحجج متعلقة أيضا بمصالحنا الأمنية على المدى البعيد. أنا أشجعها فهي تقوم بعمل عظيم حتى لو كانت من أشد المنتقدات لي.

لنعد إلى أوباما، وإلى سياسته في تجنب المخاطر المحتملة المحدقة بالولايات المتحدة الأمريكية. إنني أعتبره سياسيا واقعيا جدا بما للكلمة من معنى، لكن ما راعني منه هو رؤيته لموقع الرئيس من منظور شخصي جعله يظن أنه قد أضفى أبعادا فريدة على هذا المنصب.

 

س: على ما يبدو، لا وجود لضغط داخلي للقيام بأية تحركات إزاء الوضع في سوريا.

كيسنجر: لنفترض أن الأسد سيغادر السلطة غدا، فما الذي سنقوم به؟ ما الذي سيترتب عن القرارات الأخلاقية التي نتوعد فيها بمعاقبته؟ هل سننجح في إرساء الديمقراطية فقط من خلال الإطاحة به؟ وإن لم تكن الأمور بهذه السهولة، فما هو الهيكل الحكومي الأمثل الذي سيحول دون مضاعفة التهديد؟

 

س: ماذا كنت لتفعل في رواندا؟

كيسنجر: بصفتي مراقبا أكاديميا لما يحدث في الساحة العالمية، كنت سأقوم بقصارى جهدي لأحول دون حدوث الإبادة الجماعية في رواندا وإزهاق آلاف الأرواح من الأبرياء، في حين أن العالم وقف مكتوف الأيدي وعاجزا عن مساعدتها. لولا ذلك لكانت تكلفة التدخل آنذاك منخفضة إلى حد ما. هل هذا ما كنت سأضطلع به لو كنت في ذلك المنصب؟ أنا حقا أتعاطف مع أولئك السياسيين الذين اضطروا مواجهة هذا التحدي فقد كانوا في موقف لا يحسدون عليه. وإلى حين انتهاء حرب الفيتنام، لم يكن باستطاعة الرئيس الأمريكي إرسال القوات الأمريكية إلى أية بؤرة توتر دون التعرض إلى هجوم معاد وفوري.

 

الصين

س: هل العلاقات الصينية الأمريكية أكثر تبعية من الإرهاب؟

كيسنجر: إن للإرهاب تداعيات على آفاق النظام العالمي على المدى القصير على خلاف العلاقات مع الصين التي ستساهم في تشكيل أبعاد النظام العالمي على المدى البعيد. في المستقبل ستكون الولايات المتحدة والصين من أكثر الدول نفوذا وتأثيرا في العالم ولعل هذا ما نستشفه من سيطرتهما على الاقتصاد الدولي في الوقت الراهن. لكن يجب الإشارة إلى أن كلا القوتين ستشهد جملة من التحولات الداخلية غير المسبوقة. وإذا أردنا أن نخطو إلى الأمام في سبيل تحقيق هذه الغاية، توجب علينا محاولة تطوير فهم مشترك لكيفية التعاون بيننا لتحقيق التوازن المرجو في العالم. وكحد أدنى، يجب أن نتفق على الحد من خلافاتنا وتركيز جهودنا على بعث مشاريع مشتركة بيننا.

 

س: كيف يجب أن يصوغ الرئيس الخامس والأربعون السياسة الأمريكية تجاه الصين؟

كيسنجر: بعد انقضاء السنوات الأولى على بناء الدولة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية محظوظة بما يكفي كي لا تكون مهددة بالغزو أثناء فترة تطورها، ولعل ذلك يعود لموقعها الجغرافي لأن الأقدار شاءت أن تكون هذه الدولة محاطة باثنين من المحيطات العملاقة. ونتيجة للحصانة الجغرافية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، كان تصورنا للسياسة الخارجية في شكل سلسلة من التحديات المنفصلة التي ينبغي الارتجال عند حدوثها ولم تكن قائمة على مخطط.

ولم نبدأ بالتفكير ماليا في وضع سياسة خارجية شاملة ومستديمة في فترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما لم يطرأ ذلك التغير في طريقة تحليلنا للأوضاع العالمية سوى في ظل ظروف كانت نوعا ما هادئة. وطيلة عشرين سنة على الأقل، توخينا سياسة عقد التحالفات كوسيلة لإخماد الخلافات الناشئة مع بعض الأطراف ولتصميم إستراتيجية خاصة بنا. ومن الآن فصاعدا، يجب علينا وضع إستراتيجية أكثر مرونة لمواكبة التغيرات العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، يتحتم علينا دراسة تاريخ وثقافة القوى الرئيسية الفاعلة في الساحة الدولية وإقحام أنفسنا باستمرار في الشأن الدولي.

 

س: ماذا عن استمرار الشراكة مع الصين؟

كيسنجر: كانت الصين في معظم تاريخها تعيش في عزلة عن العالم والاستثناء الوحيد كان خلال السنوات المائة التي عاشت فيهم الصين تحت وطأة سيطرة المجتمعات الغربية. لم تكن لهذه الدولة أية نوايا للانخراط في النظام العالمي والارتباط بأي شكل من الأشكال مع العالم وخاصة الخروج من نطاق القارة الآسيوية. كما أنها كانت محاطة بمجموعة الدول الصغرى التي لم تكن لتعكر صفو السلام في تلك المنطقة. وإلى حين اندلاع ثورة ألوهين سنة 1911، كانت تدار علاقات الصين بالدول الأخرى من قبل وزارة المناسك"، التي تصنف كل بلد أجنبي باعتباره رافدا بالنسبة لبكين. ولم تعتمد الصين في نظرتها للعالم على مفهوم "الوستفاليا" لأنها لم تكن تعتبر الدول الأجنبية ندّا، لها كيانات متساوية.

 

س: هل تعتقد أن هناك دولا متاخمة لحدود الصين لا تشعر أنها تتمّ معاملتها ككيانات متساوية؟

كيسنجر: إن الصين تشهد عملية تغيير داخلية هائلة. فقد وضع الرئيس شي جين بينغ هدفين نصب عينيه أطلق عليهما تسمية "المائويتين"، وهما باختصار تتمثلان في الاحتفال بالذكرى المائوية الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي والدولة الشيوعية. وستكون الأولى سنة 2021، أما الثانية فستكون سنة 2049. وطيلة المدة الفاصلة بين المائويتين، ستصبح الصين مساوية لأية دولة حديثة أخرى. ووفقا لحساباتهم، ستصبح الصين قادرة على التساوي ماديا وإستراتيجيا مع الولايات المتحدة الأمريكية. كما يطرح بعض الخبراء الإستراتيجيين في الصين السؤال التالي: لو كنا مكان الولايات المتحدة الأمريكية وحرمنا الدول الأخرى من الوصول إلى المكانة التي نحتلها لتصبح ندا لنا، ألن يشكل هذا مصدرا للتوتر بينها وبين الدول التي تسعى إلى تحقيق ذلك؟

وفقا للمشاورات الداخلية القائمة في الصين، فإن هناك إجابتين على سؤالك. بالنسبة للمتشددين، فإن الولايات المتحدة تشهد فترة تراجع واضحة مما سيزيد فرص تفوقهم عليها، فهم يشجعون قيام الصين بمثل هذه المبادرة ويقولون "لما لا إذا كنا نتمتع بالمقومات اللازمة لندخل في غمار حرب باردة". أما بالنسبة لوجهة النظر الثانية التي يمثلها الرئيس شي، فإن المواجهة تعد مجازفة خطرة جدا لأن قيادة الصين لحرب باردة ضد الولايات المتحدة في هذا التوقيت بالذات ستحول دون تحقيقها للأهداف الاقتصادية المرجوة. كما أن الدخول في حرب طاحنة مع تواجد أسلحة الدمار الشامل قد ينجر عنه كارثة بشرية تفوق في خسائرها ما تسببت فيه ويلات الحرب العالمية الأولى، ومن المحتمل أن لا يكون هناك فائز أصلا. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن السياسة المعاصرة تتطلب عمل الخصوم معا في إطار الشراكة والتعاون لتحقيق مصالح كلا الطرفين.

 

س: إذن هل تعتبر الرئيس الصيني معتدلا؟

كيسنجر: لقد وضع الرئيس شي هدفين أساسيين للصين؛ أولهما يتمثل في جعل "آسيا حكرا على الآسيويين" والثاني يتمثل في الحرص على تحويل الخصوم إلى شركاء. حسب رأيي، يجب أن نحاول تركيز جهود أكبر على الهدف الثاني وجعله إطارا للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة. كما أظن أنه علينا الاستفادة من وجهة نظر الصينيين السديدة التي تختلف تماما عن وجهة نظرنا. علينا أن نحشد قواتنا وندمج قدراتنا الدبلوماسية والعسكرية معا إذا أردنا الصمود ومواكبة معطيات العصر الجديدة. لكن هل هذا ممكن في عالم محكوم بترسانة من أسلحة الدمار الشامل وإمكانيات الرقمية الواعدة؟

إن من العقبات التي تحول دون تحقيق مثل هذه الشراكة هي الفجوة الثقافية؛ فالطرف الأميركي يرى العالم من منظور السلام الدائم إذ لا يكون الوضع العالمي طبيعيا إلا عندما يعم السلام ويستتب الأمن. وإن تعكّرت الأوضاع، فمن البديهي أن يكون ذلك مفتعلا، وبالتالي لن يهدأ لهم بال إلا إذا تغلبوا على ذلك العدو وأعادوا العالم إلى سابق عهده.

وعلى نقيض ذلك، فإن الصينيين لا يؤمنون بوجود حلول دائمة؛ فبالنسبة لبكين الحل هو مجرد تذكرة للدخول في مأزق آخر ولعل هذا ما يفسر اهتمامهم بالنزعات والاتجاهات فتجدهم دائما يسألون أسئلة من قبيل "إلى أين أنت ذاهب؟ وكيف سيبدو العالم بعد خمسة عشر سنة؟ "

وكنتيجة لهذه الهوة الثقافية، فإن اجتماع الرئيس الصيني بنظيره الأمريكي ستكون نتائجه غامضة. لكن عموما المشاورات ما تزال قائمة بين كلا الطرفين بشأن تغير المناخ والقضايا المعاصرة على المدى القريب والمخاوف الاقتصادية. ولكن بالنظر إلى ضغط الوقت ووسائل الإعلام، فإن جدول الأعمال الأساسي المتعلق بتطوير نظرة مستقبلية مشتركة تم إعطاؤه أهمية أقل مما يستحق.

 

س: كيف تقيم أداء الرئيس أوباما وإدارته للعلاقات الدبلوماسية الصينية؟

كيسنجر: أظن أنه يستحق علامة جيد جدا

 

س: إنها حقا علامة جيدة

كيسنجر: أعطيته مثل هذه العلامة وفقا للمعايير الحالية لكن علامته ستكون أسوأ نظرا لبداية تدهور العلاقات الصينية الأمريكية وذلك لأنه قدم حلولا وقتية لا بأس بها لكنه لم يقدم إضافات تساعد على تعزيز علاقتنا مع الصين على المدى البعيد.

 

س: هل تعتقد أن الصين شهدت في تاريخها فترة انحطاط؟

كيسنجر: نعم لقد شهدت الصين فترة إنحطاط في تاريخها لأن الصينيين كانوا يظنون أن مملكتهم كانت مركز آسيا حيث كان للاحتلال الأوروبي لأجزاء من أقاليمها في القرن التاسع عشر بمثابة صدمة لهم، وهي لا تزال تعاني من آثار هذه الصدمة إلى يومنا هذا. كما تعتقد الصين المعاصرة أنها ستعود يوما إلى مكانتها التاريخية المرموقة.

وهناك فرق آخر لا يجب المرور عليه مرور الكرام ألا وهو أن كلا البلدين يعتبران نفسيهما استثنائيين؛ إذ تعتقد الولايات المتحدة أن لدينا "استثنائية" تخول لنا أخذ مهمة تثقيف الآخرين على عاتقنا لأنه في حال اعتنقت الشعوب الأخرى مبادئنا، فسوف يكون العالم أكثر أمنا واستقرارا.

لكن الصينيين لا يسعون إلى جعل الشعوب الأخرى تعتنق مبادئهم لأنه حسب وجهة نظرهم إن كنت لا تنتمي إلى الثقافة الصينية فلا يمكنك أن تصبح صينيا. وبالتالي، فهي تشعر أن الأمريكيين لا يملكون أي حق أخلاقي للتدخل في شؤونها الداخلية. ويكمن وجه الشبه بينها في جعل الصين لعظمة أدائهما سببا وجيها لتهابها المجتمعات الأخرى التي سوف تضطر إلى تبني مبادئها وتحرص على إتباع ما يكفي من النمط الصيني لتصبح رافدا من الروافد السياسية والثقافية المتساوية معها وحينها فقط يمكن لهذه القوة أن تعترف به وتنهل منه.

 

س: لكن الولايات المتحدة تقف بالمرصاد لمثل هذا التوجه أي "آسيا للآسيويين" الذي يعني بالضرورة أن آسيا ستكون حكرا على الصينيين.

كيسنجر: يعتقد الصينيون تاريخيا أن أي طرف حكيم سيتقبل هذه الحقيقة برحابة صدر. ولتحقيق ما يصبون إليه قد يستخدمون القوة العسكرية، على عكس نظيرهم الروسي، بهدف إقناع الأطراف الأخرى وليس لاحتلالها. أما بالنسبة لنا، فقد خضنا حاربا ضروسا في الفيتنام لمساعدة الشعب الفيتنامي في انتقاله النوعي إلى شعب ديمقراطي. بينما احتلت الصين المحافظات الشمالية لمدة أربعة أشهر لتعلم الفيتناميين قواعد النظام وبعبارة "دنغ" الفيتنامية، "لتعليمهم الاحترام".

 

س: هذا دقيق جدا، إن كنت رئيس الولايات المتحدة وتحاول تكوين نظام تحالفات مع دول تهاب الصين.

كيسينجر: بالتأكيد.

 

س: هل هناك رؤية واضحة حول ما ستؤول إليه الحرب بين الولايات المتحدة والصين؟

كيسنجر: نظرا للأسلحة التي تمتلكها كلا الدولتين فإن الصراع العسكري بينهما ستنجر عنه كارثة، حيث أنه سيجبر العالم على الانقسام. كما أنها يمكن أن تنتهي بدمار وليس بالضرورة بفوز طرف واحد، الذي من الصعب تحديده. فحتى إن استطعنا تحديد معنى النصر، فمن الصعب التكهن بماذا سيطلب الرابح من الخاسر، وأنا هنا لا أتكلم ليس فقط عن المعدات العسكرية وإنما عن العواقب التي لا تحصى ولا تعد التي ستخلفها استخدام هذه الأسلحة على غرار الأسلحة السيبرانية . لقد أكدت المفاوضات التقليدية ضرورة إعلام كل طرف الآخر بقدراته العسكرية وذلك للحد من التسلح. لكن في ظل الحرب السيبرانية، فكلا الطرفين سيكونان مترددان في الإفصاح عن قدراتهم. وبالتالي لا توجد أية وسيلة لاحتواء الحرب السيبرانية. كما سيزيد الذكاء الاصطناعي من حدة الوضع. إن الآلات لها القدرة على التعلم من تجربتها الخاصة والتواصل مع بعضها البعض ولها القدرة أيضا على التقدم ماديا وأخلاقيا لإيجاد حل لمنع الجنس البشري من تدمير نفسه. لذلك على الولايات المتحدة والصين إيجاد حل وسط.

 

س: لمجرد الإيضاح، فاستقرار العالم إذن مرتبط بمدى تفاهم أقوى دولتين في العالم.

كيسنجر: وهو ما يتطلب الشفافية بين الطرفين للإفصاح عن دوافعهم، وهو ما يبدو غريبا جدا للدبلوماسيين التقليديين.

 

س: هل تبدو غريبة بالنسبة لك؟

كيسنجر: إلى حد ما، لكن إن كنت قد تطرقت لنصوص محادثاتي مع تشو ان لاى، (رئيس الوزراء الذي التقى به كيسنجر سرا سنة 1971 كجزء من الجهود الرامية لتحسين العلاقات بين الدولتين) فستلاحظ شيئين، الأول هو أننا كنا محظوظين، فليس لدينا علاقة عملية لنتحدث عنها ما عدا تايوان -والتي وضعناها جانبا- ومن أجل بناء علاقة تقوم على الثقة المتبادلة، كان علينا أن نفصح عن فلسفاتنا فيما يخص النظام العالمي. أما الشيء الثاني، ونتيجة لذلك، لقد كنا مثل أستاذين جامعيين نناقش طبيعة العالم ومستقبله.

هذا النوع من الحوارات ليس بالجديد على للولايات المتحدة والصين؛ فالقادة يجتمعون لإجراء محادثات مفيدة بمعنى أن هناك بنود عملية مهمة يجب دراستها والعمل عليها. ولكن الصين أحبطت مثل هذه المحادثات. فالمواضيع التي يريدون مناقشتها فلسفية بحتة وليس هذا الوقت المناسب لطرحها. "فإذا كنا في مكانك، وأردنا أن نحبط تقدمك فهل تقوم أنت بقمعنا؟ وإذا لم تقم بذلك، كيف سيكون العالم مع دولتين بنفس القوة، هل يمكن توقع بذلك؟

 

س: ما هو الأسلوب الذي يجب على الرئيس أن يعتمده لحل المشاكل مع الصين؟

كيسنجر: من المهم أن نفهم الفرق بين نظرتنا ونظرة الصينيين للمشاكل العالقة، فالأمريكيون يعتقدون أن الحالة الطبيعية للعالم هي الاستقرار والتطور، وإذا كانت هنالك مشكلة فإنه يمكن القضاء عليها عبر تجنيد كل القدرات والموارد المتاحة، ثم بعد الانتهاء من تلك المهمة يمكن لأمريكا أن تعود لحالة العزلة. أما الصينيون في المقابل، فهم يرون أنه لا وجود لمشكلة يمكن القضاء عليها بشكل نهائي، ولذلك فإنه عندما تتكلم مع الخبراء الذين يحددون الاستراتيجيات الصينية يحدثونك عن مسار طويل وليس عن وضع مؤقت، بينما عندما تتكلم مع واضعي الإستراتيجية في أمريكا فإنهم يحاولون غالبا البحث عن حلول نهائية.

 

س: كيف تفهم إستراتيجية الصين في الوقت الحاضر؟

كيسنجر: هنالك تفسيران محتملان لإستراتيجية الصين، الأول يفترض أن الصين تعتقد أن العالم يسير نحو ترجيح كفتها، وأنها في النهاية سوف تسيطر عليه بشكل ما، ولذلك يسعى الصينيون لجعلنا نحن نبقى صامتين خلال حدوث هذه التغيرات لفائدتهم.

 

س: وهل تعتقد فعلا أن دورة التاريخ تسير لصالحهم؟

كيسنجر: بعض الخبراء في الصين يعتقدون ذلك. أما الفرضية الثانية التي يمكن من خلالها تفسير إستراتيجيتهم، فهي تتمثل في أنهم يعتقدون أن سيرورة التاريخ تختزل في صراع حتمي بين الدول التي تملك التكنولوجيا مثل الصين وأمريكا، ومن أجل تجنب المخاطر الناجمة عن استعمالها، فإنه سيتوجب على هذه الدول إيجاد صيغة للتعاون فيما بينها.

أعتقد أن هذا هو رأي الرئيس الصيني، ولكنه لن يكون بمقدورنا تحديد الفرضية الصحيحة قبل مرور حوالي 20 سنة، وفي الأثناء فإن سياساتنا يجب أن تكون أكثر شمولية ومرونة حتى تستوعب كلا الفرضيتين.

 

س: هل كان أوباما عدائيا أكثر من اللازم مع الصين؟

كيسنجر: لا لم يكن عدائيا أكثر من اللازم، ولكنه كان يفكر على المدى القصير، وإذا أردنا فعلا تطوير علاقتنا مع الصين فيجب أن يكون هنالك تواصل بين الجانبين حول التوجهات العامة.

 

س: هل تشعر بالخوف من أن يقوم ترامب بتوتير الأجواء والتسبب بحرب اقتصادية مع الصين؟

كيسنجر: لا شيء في هذا العالم يؤثر على التوازن والسلام الدولي أكثر من استقرار العلاقات بين أمريكا والصين. وقد وصف الرئيس الصيني "شي جين بينغ" الترابط الاقتصادي بين البلدين بأنه القاعدة والدافع الأساسي للعلاقات الثنائية، ولذلك فإن حربا اقتصادية قد تدمر كلا البلدين.

 

س: أنت تتواصل مع كبار المسؤولين الصينيين طوال الوقت، كيف كان رد فعلهم حول تهديدات ترامب بحرب اقتصادية؟

كيسنجر: أول ردة فعل حول تصريحات ترامب كانت الصدمة، ليس بسبب شخصيته هو، ولكن لأن المشهد السياسي الأمريكي أنتج هذا النوع من النقاش الذي يتعارض مع طبيعة هذا البلد، لقد قالوا في أول رد فعل لهم: "هل يعني هذا أننا سندخل في مواجهة حتمية مع الولايات المتحدة؟".

 

س: ما الذي يعنيه إجماع الحزبين الديمقراطي والجمهوري على معارضة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ؟

كيسنجر: يعكس ذلك رغبة في الانسحاب من المشهد الدولي، وتراجعا عن التزام كلا الحزبين في الماضي بهذه التوجهات، وهو ما كان يميز السياسة الخارجية الأمريكية طوال نصف قرن.

 

س: هل هذه مقاربة جديدة لحماية الأمن القومي؟

كيسنجر: لا أتفق على أن سياسة الأمن القومي يجب أن تكون مرتبطة بسياسات "احتواء الصين"، من المهم بالنسبة إلينا أن نكون متواجدين في آسيا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لا يمكننا أن نتحدث عن توازن في آسيا إلا إذا وفرنا البعض من شروطه، ومن بينها اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ. ولكن في نفس الوقت، يجب أن نكون منفتحين على الصين ويجب أن يكون واضحا أنه بمقدور الصين أن تكون جزء من هذا الاتفاق، لنضمن أن المنافسة الاقتصادية بيننا سوف لن تخرج عن إطارها وسيكون خيار التعاون والتكامل بيننا دائما قائما. أما الاحتواء العسكري للصين فهذه سياسة يجب أن تكون آخر خيار نذهب إليه.

 

س: وهل تمثل التجارة مشكلة بيننا؟

كيسنجر: إنها تمثل إحدى المشاكل، ولذلك فمن الضروري أن تكون الخطوة المقبلة بعد تنصيب الرئيس هي تعيين شخص في البيت الأبيض يكون مسؤولا عن سياستنا تجاه الصين. هذا الشخص يمكنه مراقبة سير العلاقة بشكل جيد وإطلاع الرئيس عليها.

 

روسيا

س: هل يمكننا إعادة إطلاق العلاقات مع روسيا؟

كيسنجر: "إعادة إطلاق" هي عبارة غير مناسبة في هذا السياق، ولذلك أفضل اعتماد عبارة "التأقلم مع الظروف الجديدة في هذا العالم المتغير". السؤال الذي يُطرح الآن هو هل أن كلا البلدين قادران على تحقيق الحد الأدنى من أهدافهما الأمنية والتعاون في نفس الوقت من أجل تحقيق الاستقرار في المناطق القريبة منهما؟ هذه ستكون معادلة رائعة وضرورية جدا.

 

س: لماذا لم تنجح عملية إعادة الإطلاق التي تمت في السابق؟

كيسنجر: خلال تلك الفترة كان ديميتري مدفيديف هو الرئيس، وكان بوتين يشغل منصب رئيس الوزراء بسبب إكراه الدستور الروسي الذي لا يسمح للرئيس بأكثر من عهدتين متتاليتين (يجب على الرئيس أن يتنحى لعهدة رئاسية واحدة على الأقل ليترشح مجددا). خلال تلك الفترة، قلص البيت الأبيض من تواصله مع بوتين، حيث كان البعض في الإدارة الأمريكية يأملون في أن ينجح مدفيديف في استغلال الفرصة والتخلص من بوتين عبر إعفائه من مهامه كرئيس للوزراء، باعتبار أن الدستور الروسي يسمح بذلك، وهو ما يمكن أن يوفر لروسيا فرصة لسلك طريق أكثر ديمقراطية، على غرار بقية دول شرق أوروبا العضوة في حلف الناتو.

وحين عاد بوتين لسدة الرئاسة في سنة 2012 انهارت المساعي لإعادة إطلاق العلاقات بين البلدين، ولفهم بوتين يجب علينا أن نقرأ كتابات "دوستويفسكي"، وليس كتاب "كفاحي" لهتلر. بوتين يعرف أن روسيا أكثر ضعفا من أي وقت مضى، ومن الواضح أنها أضعف من الولايات المتحدة، ولكن هو يقود البلد الذي كان يعتبر نفسه طيلة قرون من الزمن قوة إمبريالية عظمى، إلا أن كل هذا المجد الذي بناه الروس تبخر فجأة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. كما تعاني روسيا من تهديدات إستراتيجية من كل الجوانب، متمثلة خاصة في كابوس ديمغرافي قرب الحدود الصينية، وكابوس إيديولوجي متمثل في الفكر الإسلامي المتشدد الذي بدأ ينتشر عبر حدودها الجنوبية. أما من الجهة الغربية، هنالك أوروبا التي تخوض تحديا تاريخيا ضد موسكو، ولكن في ظل هذه التهديدات تسعى موسكو لانتزاع اعتراف دولي بكونها قوة عظمى تتعامل بندية مع الولايات المتحدة، وليست قوة خاضعة كما تريدها واشنطن.

إن الافتراض الذي يفيد أن روسيا هي دولة مشابهة لبقية الدول العضوة في حلف الناتو، مجرّد افتراض خاطئ ينم عن جهل بالتاريخ، فبينما بنيت أمريكا على يد أناس كان يحركهم الإيمان والجرأة لاكتشاف أراض جديدة، بنيت روسيا من قبل نخبة كانت ترسل الخدم والعبيد للحقول البعيدة، وبنيت على يد القياصرة الذين كانوا يحددون قطعة الأرض التي يريدون تحويلها إلى مدينة على غرار مدينة "سان بطرسبورغ". إن الروس مرتبطون بأرضهم بنوع من الرباط الروحي، نظرا لما عانوه من صعوبات وما يحملونه من آمال.

لقد عاشوا لقرون تحت حكم المغول، ثم لما جاء تشارلز الثاني عشر ملك السويد لغزو روسيا، كان

صفحة للطباعة صفحة للطباعة


 
الرئيسية | عالم الأخبـار | هيئـة التحريـر | مواقع | الارشيف| ارسال مقال | الأتصال بنا|
E-Mail: [email protected] Ìãيع ÇلÃÑÇء æÇلãÞÇلÇÊ ÇلÊي ÊäÔÑ في ÇلãæÞع ÊعÈÑ عä ÃÑÇء ÃÕحÇÈåÇ æلÇÊعÈÑ ÈÇلÖÑæÑة عä ÑÇي ãæÞع www.hekar.net

ãÏيÑ ÇلãæÞع: äÇيف ÑÔæ
åيÆة ÇلÊحÑيÑ عÇÏل علي